على أطراف البادية السورية، وعلى مسافة ليست بعيدة من حماة تقف سلمية كمدينة لا تشبه غيرها، ليست مدينة صاخبة، انها تحمل في داخلها شيئا عميقاً، هدوء الفكر وتميزه، ودفء الناس، ومحبتهم، وعبق التاريخ والحضارة.
استقبلت مئات العائلات الأرمنية النازحة من مجازر العثمانيين قديما، ومئات العائلات النازحة حديثا من هول الحرب، لجأوا اليها لمعرفتهم بما تحمله من حب وتسامح. سلمية ليست مجرد مكان، بل حالة إنسانية، مدينة تعيش على إيقاع مختلف، حيث يمكن لكوب شاي بسيط أو كأس عرق أو نبيذ، أن يتحول إلى نقاش طويل في السياسة، أو الفلسفة، او الفلك، أو الحياة، حيث تختلط البساطة بالوعي بطريقة نادرة ومميزة.
رغم الإهمال والتهميش والفقر المتعمد الذي تعرضت له عبر عقود طويلة من الزمن وما زالت.
ـ الجذور والتاريخ.
تعود جذور سلمية إلى عصور قديمة حيث عرفت باسم *كور الزهور* في المرحلة السومرية والآشورية. وهنالك مصادر تقول إنه حين اختارها أنطيوخوس الثالث السلوقي منتجعا استشفائيا لابنته *سلاميناس* المصابة بالسل، لطيب هوائها ونقائه، فبعد وفاتها أطلق اسمها على المدينة تخليدا لذكراها، وهنالك قائل بأن اسمها ارتبط *بالسلام*.
مرت عليها حضارات عديدة، وتعرضت للدمار أكثر من مرة، لكنها كانت تعود دائما، وكأن فيها عناد الحياة وصلابتها.
وفي زمن الامبراطورية البيزنطية، أصبحت سلمية مقراً لأبرشية مسيحية تتبعها حوالي ستين كنيسة، وتحولت إلى واحدة من مدن السلام السبع آنذاك، فمن دخلها خائفا أو شقيا أو متمردا أصبح آمنا داخل أسوارها.
أما في المرحلة الإسلامية فقد كان لها مكان مميز خصوصا لدى الطائفة الإسماعيلية، فمن هذه المدينة التي تحولت مركزا رئيسيا” للدعوة الإسماعيلية الباطنية، خرج منها عبيد الله المهدي إلى تونس ليصبح الخليفة الأول للدولة الفاطمية، مما منحها بعدا فكريا وروحيا خاصا “، وأسهم في تكوين بيئة أكثر انفتاحا وتقبلا” للاختلاف.
ـ مدينة العلم والمعرفة.
انها مدينة الثقافة، والفكر، والفن، والأدب.
فقد نال التعليم في سلمية حظوة خاصة لدى أهلها الذين اشتهروا بثقافتهم ومستوى تعليمهم العالي، فمنذ بدايات القرن العشرين، ومع الإهمال المتعمد من قبل العثمانيين والفرنسيين، كفل صندوق الطائفة الإسماعيلية التعليم، وهذا ما ساعد في انتشار المدارس فيها قبل انتشار التعليم الرسمي الحكومي بعقود، وكانت المدرسة الزراعية في سلمية والتي تأسست عام 1911 أول مدرسة ابتدائية زراعية في بلاد الشام، وكان شرط التعليم في تلك المدارس حينذاك المساواة بين الذكور والإناث، وتفضيل تعليم البنت على الولد إذا كان الأهل لا يستطيعون تعليم سوى واحد منهما، وذلك حسب وصية الإمام *سلطان محمد* جد والد الإمام الحالي *رحيم شاه* ورغم صغر المدينة فقد برزت أسماء كثيرة من أبناءها كشعراء وادباء، أمثال محمد الماغوط وفايز خضور وعلي الجندي، ومفكرون منهم عارف تامر ومصطفى غالب وإبراهيم فاضل إضافة إلى محمود أمين وسامي وعاصم الجندي وحسين الحلاق وغيرهم .
نجد ان ما يميز سلمية حقا هو طابعها الثقافي. النقاش بها ليس ترفا، بل أسلوب حياة، ابناؤها مع اختلاف معتقداتهم وأفكارهم يتحاورون ويختلفون دون خصومة، فعلاقاتهم الاجتماعية قوية، واجتماعاتهم غنية بالحوار والفكر.
ـ لمحة تاريخية وحضارية.
أينما بحثت في أرض المدينة تصادفك الأقنية المائية التي يصل عددها إلى ثلاثمائة وستون قناة، فلا تجد بقعة أرض فيها لم تروها المياه يوماً. ولقنوات المياه في المدينة أساطير وحكايات أشهرها *قناة العاشق* التي بناها أمير منطقة سلمية منذ أكثر من ألفي عام لتنقل الماء من سلمية الى أفاميا، ولا تزال آثار القناة موجودة حتى الآن.
كما تطالعكَ بقايا سور قلعة المدينة التي كانت ملجأ للدعاة والمفكرين الذين وجدوا في سراديبها السرية مكانا يبعدهم عن عيون خصومهم العباسيين، ينكبون على دراسة الفلسفة والعلوم ويخطون رؤيتهم الفلسفية للعالم وعلاقتهم الصوفية بالله ونظرتهم للمعرفة والعقل. فيها كتب إخوان الصفا وخلان الوفا كتبهم ورسائلهم، وأمضى المتنبي والمعري وابو حيان والفارابي وابن سينا وغيرهم زمنا” يدرسون وينهلون من نبع فلسفتهم وفكرهم ومعرفتهم، وفي وسط المدينة لا تزال جدران مقام *الإمام اسماعيل* البازلتية الضخمة تحتضن في ذاكرتها معابد الآلهة السورية تتأمل مجدها السابق الذي توارى خلف آلهة جديدة. وقريبا” من المقام نجد الحمام الأثري، الذي كان زاخرا حينما كانت المدينة مقرا للقوافل التجارية القادمة من الجهات الأربع. وإذا ما نظرت إلى شمال غرب سلمية، تطل عليك قلعة *شميميس* من على جبل منفرد مخروطي الشكل، القلعة الصامدة منذ قرون وكأنها مازالت تحرس المدينة وتمنع عنها العدوان.
ـ مدينة الحب والعشق.
*قناة العاشق *هي رمز للحب والعشق في التراث الشعبي، حيث تغنت بها الأناشيد التراثية، كما استخدمها الأدباء في الشعر، للتعبير عن هيامهم بحبيباتهم واستعدادهم لإرضائهن، حتى لو طلبن المستحيل، فما هي؟
يروى في التراث الشعبي ومنذ ما يزيد عن 2000 عام، أن أمير سلمية وابن حاكمها عشق أميرة مدينة أفاميا وابنة حاكمها وطلبها للزواج، كان شرط الأميرة، إرواء مدينتها العطشى، وهذا ما فعله الأمير العاشق، فقد استطاع بناء هذه القناة وتقديمها عربون محبة لمعشوقته.
تبعد أفاميا حوالي 80 كلم عن مدينة سلمية الغنية بالينابيع والمياه في ذلك الزمن، وبالفعل استطاع هذا الأمير ومهندسيه جر المياه من نبع الزرقا غرب سلمية الى أفاميا، وذلك بشق قناة مائية تحت الأرض بعمق يتراوح من متر الى ثلاثة أمتار بطول 150 كلم ملتفة في السهول وخلف الهضاب ومحفورة في الصخور، تمر عبر أقنية بازلتية مغطاة ومعالجة بمواد عازلة، شيد على تلك القناة 12جسرا، وروت في طريقها العديد من القرى العطشى، وتم بناء العديد من الطواحين والعديد من النواعير للسقاية، دمرت هذه القناة اثر زلزال عام 1157 م، ولم تعد صالحة لنقل الماء، ولم يعاد ترميمها ودفنت تحت الأرض .
هذا ما اخبرتنا به مديرية الآثار السورية حين اكتشفت هذه القناة بالصدفة عام 2002وتم اجراء العديد من الدراسات على هذه التحفة الحضارية والفنية والهندسية، فالمسافة بين المدينتين تمر عبر سهول وهضاب ومناطق جبلية، مما يؤكد عظمة هذا العمل الفني في تلك المرحلة ودقة الهندسة والحساب، انها وكما وصفت اعجاز هندسي. هذه القصة عبر عقود تروى كموروث شعبي، ولكنها غنية بالأحداث والحقائق.
ـ الخلاصة.
من يزر سلمية، فسيشهد عشق أهلها للحياة، وابتهاج الفرح الريفي فيهم، فكل الأعياد أعيادهم، يحتفلون بها كأنها طقس خاص بهم وحدهم، من ميلاد السيد المسيح إلى رأس السنة الميلادية وعيدي الفطر والأضحى وعيد النيروز واعياد نيسان، وإذا ما كنت صباحا في شوارعها تسمع صوت فيروز معشوقهم، آتيا من أبواب المحلات المفتوحة وشبابيك البيوت، أما في أيام العطل فوجهة اكثرهم الى جبل *عين الزرقاء* متنفسهم الوحيد، يحملون عرقهم ونبيذهم الذي غالبا ما يكون صنع أيديهم وطعامهم، متجهين الى هناك مفعمين بالحياة والحب.
ان هذه المدينة مثال على أن سوريا التي نحلم بها ممكنة، إذا استطاعت كل مدينة أن تحمل شيئا من روح سلمية،هي سوريا الصغرى، ومثال حي لسوريا التي نحلم بها.

