سامية عيسى في روايتها أرض الحُبّ والغياب [عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2025، بيروت وعمّان، تصميم الغلاف يوسف الصرايرة، لوحة الغلاف جبل الزيتون للفنّانة صوفي حلبي، من مجموعة إيفيت ومازن قبطي، وتشكر الروائية د. سعيد زيداني لمراجعته النص وملاحظاته تجربة عيش في فلسطين]، وترفعها إلى والدتها ازدهار بنت المختار، مختار ترشيحا، في أعالي الجليل الغربي، ركاد قبلاوي، حتى سقوطها عام 1948، تحلّق في فضاء النزوح، أي ميتافيزيق شعب فلسطين، وترتدّ إلى زمن اللجوء، أي نكبة العصر اللامتناهية، وكيف لا تحيا سامية عيسى تفجّع المكان وتباريح الدهر، وهي من نزوح إلى نزوح ومن لجوء إلى لجوء، هي التي عانت مراراتها، منذ ان ولدت في برج البراجنة وعاشت آلام شعبها في مخيّمها، ثم فُجعت وهي في الخامسة بوفاة أبيها، فما كان من والدتها إلا أن تعيلَ ولديها وثلاث بناتها، فالتحقت بسلك التمريض، تعطفُ وتحنو وتؤاسي أطفال شعبها في عيادة د. شفيق مصطفى صيداني، أقامها تماماً عند مدخل مخيم برج البراجنة، وكيف لا ووالد سامية محمد راغب قبلاوي غادر ازدهار وهو في الثلاثين، وأولاده [نزار ووسيم وسامية وسميراميس وصفاء]، وهو آنذاك، مُنفّذ الحزب السوري القومي الاجتماعي في برج البراجنة، والحزب يستعد للانقلاب على النظام الطائفي في لبنان ليلة 31.12.1961 / 1.1.1962. فما أن فشل الانقلاب حتى اعتُقل محمد راغب قبلاوي مع غيره من القوميين في برج البراجنة وقضى في اليوم نفسه، إما تحت التعذيب أو باغتياله عند دوّار الغبيري، كما روى البعض. دفُنَ دون جَلَبة أو ضجّة بأمر من السلطة.
تمضي سامية عيسى في وعي مسترسل في قصّ سيرتها فهي اعتادت ألّا تنام إلا بعد أن تروي لها أمها حكاية جديدة ما قبل النوم، أو حتى قديمة تجدّدها على الدوام لمزيد من التشويق وكسر الملل، وتجيبها والدتها:
بلا قصص بلا همّ. إفهمي! إنتي خلص تجوزتي وكبرتي. شو بدك تفضحينا بالبلد؟ شو بدك يقولوا العالم عنا؟ هربتْ ليلة عرسها؟ أبصرْ شو عاملة؟ شو بدك ياهم يفكروا؟
أكيد عامليتلها عملة؟؟ يا مشحرة يا وصال؟ يا مشحرة يا وصال؟
تلطم خدّيها وتكرّر قائلة: يا مشحرة يا وصال!!
وها هي الروائية تعود إلى مسقط أهلها في الجليل: جلست على الحجر تتأمل البيوت الصخرية الجميلة وسقوفها القرميدية، والتي تهدّم بعضها جزئيا، أو هوى بعضها على نفسه تماما. الشيء الوحيد الذي قطع حبل أفكارها سؤال وقع على خجل في رأسها: لماذا أسكنونا الخيام إذا؟ وكل هذه البيوت الفارغة؟
وتجنح سامية عيسى إلى تصوير سوريالية الواقع الفلسطيني، ومعه الواقع العربي، إذ تذكرت أن جدتها لم تدرِ بما كان يحدث في غزة بين حين وآخر، قبل معركة طوفان الأقصى، إلى أن ماتت وهي توصيها بالاطمئنان على ابنة خالتها في غزة، فهي توقفت منذ سنوات عن مشاهدة الأخبار لأنها تسبّب لها القلق وشعور عميق بعدم الأمان، خاصة بعد الثورة السورية وما تبعها من موت ودمار لا يملك أحد إيقافهما ولم يوفّرا عائلتها هناك. وسامية عيسى قادرة على الإمساك بهزائم أخرى خارج دنيا العرب، وإن بنفَس يردّنا إلى المضحك المبكي، إذ كيف يمكن لها أن تتعامل مع هذه الظاهرة الغريبة التي بدأت تنتشر وتتناسل منذ ما قبل وفاة جدتها بقليل، فمنذ بدأ الضباب الأصفر يجتاح العالم، وأمعن بالانتشار، والناس تنهمر بالدموع كلّما خرجتْ من منازلها، حتى بلغ ذروته بعد حرب الإبادة على غزة.
مُخيّلة سامية عيسى أُفقها مساحة قوس النكبة؛ تُدرك بإحساسٍ ملحمي صحوة الموت الأخيرة، فها هو الضباب الأصفر ما زال يتكاثف، والحرائق تنتقل وتتوسّع، والفيضانات تتحوّل إلى طوفان يُغرق مدناً بأكملها، والدموع تنهمر من عيون البشر مع تكاثف هذا الضباب.
تُنهي سامية عيسى روايتها بأنّ الرواية لم تنتهِ، لأن الحكاية لما تنتهِ بعد هي أيضاً، بل لا تزال تَنسجُ فصولَها الآن، وربّما لأوان آخر لا تدري هي نفسها كم سيستغرق من عمر الزمن.

