عادَ التوتّرُ في الشرقِ الأوسطِ ليُسلِّطَ الضوءَ مجدّدًا على مضيق هُرمُز(Strait of Hormuz)، أحدِ أهمِّ الممرّاتِ البحريّةِ الاستراتيجيّةِ في العالم.
ففي الأسابيعِ الأخيرةِ أدّت التهديداتُ للسفنِ التجاريّةِ والهجماتُ على بعضِها إلى اضطرابٍ شديدٍ في حركةِ الملاحةِ عبر المضيق. وقد بدأت شركاتُ الشحنِ تتجنّبُ المرورَ فيه، فيما ارتفعت كلفةُ التأمينِ على السفنِ إلى مستوياتٍ كبيرةٍ بسببِ المخاطر. ورغمَ عدمِ إعلانِ حصارٍ رسميٍّ معترفٍ به دوليًّا، فإنّ كثيرًا من المحلّلين يصفون الوضعَ بأنّه “إغلاقٌ فعليٌّ” للمضيق.
ولأنّ نسبةً كبيرةً من صادراتِ الطاقةِ العالميّةِ تمرُّ عبر هذا الممرِّ الضيّق، فقد أثارَ هذا الوضعُ مخاوفَ واسعةً بشأنِ إمداداتِ النفطِ العالميّةِ، والتجارةِ الدوليّةِ، واستقرارِ الاقتصادِ العالمي.
أين يقعُ مضيقُ هرمز؟
مضيقُ هرمز هو ممرٌّ بحريٌّ ضيّقٌ يصلُ بين الخليج العربي وبحر العرب.
ويقعُ بين:
- إيران من الشمال
- عمان والإمارات العربية المتحدة من الجنوب
ويبلغُ عرضُ المضيقِ عندَ مدخلِه ومخرجِه نحو 50 كيلومترًا، بينما يضيقُ في أضيقِ نقطةٍ إلى نحو 33 كيلومترًا فقط. وعلى الرغمِ من ضيقِه النسبيّ، فإنّ عمقَه يسمحُ بمرورِ أضخمِ ناقلاتِ النفطِ في العالم.
وبفضلِ موقعِه الجغرافيّ، يُعدُّ المضيقُ البوّابةَ البحريّةَ الرئيسيّةَ لصادراتِ الطاقةِ من منطقةِ الخليجِ إلى الأسواقِ العالميّة.
لماذا يُعدُّ شديدَ الأهميّة؟
يُعتَبَرُ مضيقُ هرمز أهمَّ نقطةِ عبورٍ للنفطِ في العالم.
ففي المعدّل، يمرُّ عبره نحو 20 مليونَ برميلٍ من النفطِ يوميًّا، أي ما يقاربُ خُمسَ الاستهلاكِ العالميّ من النفط. وتبلغُ قيمةُ الطاقةِ التي تعبرُ هذا الممرَّ الضيّق مئاتِ ملياراتِ الدولاراتِ سنويًّا.
ويأتي النفطُ الذي يُنقَلُ عبر المضيق من عددٍ من كبارِ المنتجين، منهم:
- السعودية/ العراق/ الكويت / قطر/ الإمارات العربية المتحدة/ إيران
ويمرُّ عبر المضيق كلَّ شهرٍ نحو 3000 سفينة تحملُ النفطَ والغازَ الطبيعيَّ المُسالَ وسلعًا أخرى.
ولهذا، فإنّ اعتمادَ جزءٍ كبيرٍ من إمداداتِ الطاقةِ العالميّةِ على هذا الممرِّ الضيّق يجعلُ أيَّ اضطرابٍ فيه ينعكسُ سريعًا على الأسواقِ العالميّة.
التأثيرُ العالميُّ لأيِّ اضطراب
إنّ استمرارَ تعطّلِ الملاحةِ في مضيقِ هرمز قد يؤدّي إلى نتائجَ اقتصاديّةٍ كبيرةٍ على مستوى العالم.
ـ ارتفاعُ أسعارِ الطاقة إذا تعذّرَ وصولُ صادراتِ النفطِ والغازِ من الخليجِ إلى الأسواقِ العالميّة، فإنّ المعروضَ العالميَّ ينخفض. ويؤدّي ذلك عادةً إلى ارتفاعٍ حادٍّ في أسعارِ النفط، ما ينعكسُ على النقلِ وإنتاجِ الكهرباءِ والنشاطِ الصناعي.
ومع الوقت، تنتقلُ هذه الزيادةُ إلى أسعارِ السلعِ والخدماتِ في مختلفِ أنحاءِ العالم.
ـ الضغطُ على الاقتصاداتِ الكبرى تعتمدُ بعضُ أكبرِ اقتصاداتِ العالم على النفطِ الذي يمرُّ عبر المضيق، ومن بينها: الصين / الهند/ اليابان
وأيُّ تعطّلٍ طويلِ الأمد قد يؤدّي إلى تباطؤِ النشاطِ الصناعيّ وارتفاعِ معدّلاتِ التضخّم في هذه الدول، مع تأثيراتٍ تمتدُّ إلى سلاسلِ الإمدادِ العالميّة.
ـ ارتفاعُ كلفةِ الشحنِ والتأمين: حتى من دونِ حصارٍ رسميّ، قد تجعلُ التهديداتُ والهجماتُ من المرورَ عبر المضيق شديدَ الخطورة. وقد ترفضُ شركاتُ التأمينِ تغطيةَ السفنِ أو تطلبُ أقساطًا مرتفعةً للغاية.
وفي هذه الحال، تختارُ كثيرٌ من شركاتِ الشحنِ ببساطةٍ تجنّبَ المرورِ في المنطقة، ما يقلّلُ أكثرَ من تدفّقِ النفطِ والغازِ إلى الأسواق.
ـ كيف يؤثّرُ ذلك في إيران نفسها؟
قد يبدو تعطيلُ المضيق وسيلةً قويّةً للضغطِ السياسيّ، لكنّه ينطوي أيضًا على مخاطرَ كبيرةٍ بالنسبةِ إلى إيران أبرزها:
خسارةُ عائداتِ النفط
تصدّرُ إيران جزءًا كبيرًا من نفطها عبر هذا الممرِّ نفسه. وإذا استمرّ تعطّلُ الملاحة، فقد تجدُ صعوبةً في بيعِ نفطها في الأسواقِ الخارجيّة، ما يخفّضُ إيراداتِ الدولةِ ويزيدُ الضغطَ على اقتصادِها.
خطرُ التصعيدِ العسكري
إنّ محاولةَ تعطيلِ طريقٍ بحريٍّ حيويٍّ للتجارةِ العالميّة قد تستدعي ردًّا قويًّا من القوى الكبرى، ولا سيّما الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، وقد يشملُ ذلك استهدافَ القدراتِ البحريّةِ الإيرانيّة.
توتّرُ العلاقاتِ مع الشركاءِ الاقتصاديين
تعتمدُ اقتصاداتٌ آسيويّةٌ كبرى، ولا سيّما الصين والهند، على وارداتِ الطاقةِ من المنطقة، وهي أيضًا من أهمّ المشترين لنفطِ إيران. وقد يؤدّي تعطّلُ الإمداداتِ إلى تعقيدِ علاقاتِ إيران مع هذه الدول.
ولهذا يرى كثيرٌ من المحلّلين أنّ إغلاقَ المضيق يُعَدُّ خطوةً عاليةَ المخاطر قد تُلحِقُ ضررًا بإيران كما بخصومها.
من قد يستفيدُ من الأزمة؟
على الرغمِ من الأضرارِ الواسعة، قد تستفيدُ بعضُ الدولِ والقطاعاتِ من ارتفاعِ أسعارِ الطاقة.
منتجو النفط خارج الخليج
قد تستفيدُ الدولُ المنتجةُ للنفطِ التي لا تعتمدُ على مضيقِ هرمز، مثل الولايات المتحدة الأميركية، روسيا، كندا والنرويج، من ارتفاعِ الأسعارِ العالميّة.
فعندما ينخفضُ المعروضُ العالميّ، تزدادُ قيمةُ النفطِ المنتجِ في مناطقَ أخرى.
شركاتُ الطاقة
كما تميلُ شركاتُ النفطِ والغازِ الدوليّة إلى الاستفادةِ من ارتفاعِ الأسعارِ خلالَ أزماتِ الإمدادات، إذ ترتفعُ قيمةُ الإنتاجِ القائم.
الدولُ التي تمتلكُ طرقَ تصديرٍ بديلة
أنشأت بعضُ دولِ الخليجِ خطوطَ أنابيبَ تسمحُ لها بتجاوزِ المضيق. فمثلًا تستطيعُ السعودية تصديرَ جزءٍ من نفطها عبر موانئِ البحرِ الأحمر، بينما تنقلُ الإمارات العربية المتحدة جزءًا من إنتاجها إلى ميناءِ الفجيرةFujairah على خليجِ عُمان.
ورغم أنّ هذه البدائلَ لا تستطيعُ تعويضَ القدرةِ الكاملةِ للمضيق، فإنّها تسمحُ باستمرارِ جزءٍ من الصادرات.
ورقةُ ضغطٍ لإيران
في المقابل، يمنحُ الوضعُ إيران قدرًا من النفوذِ السياسيّ. فبسببِ الأهميّةِ الحيويّةِ للمضيق، يتحوّلُ أيُّ تهديدٍ للملاحةِ فيه سريعًا إلى قضيّةٍ دوليّةٍ كبرى.
موردٌ استراتيجيّ أدركت أهميّتَه مبكرًا
ليست الأهميّةُ الجيوسياسيّةُ لنفطِ الشرقِ الأوسطِ اكتشافًا حديثًا. ففي عام 1949 كتب المفكّرُ السوريّ أنطون سعاده أنّ الامتيازاتِ النفطيّة قد تتحوّلُ إلى “سلاحٍ إنترناسيونيّ” مؤثّرٍ في السياسةِ الدوليّة. وقد رأى، في سياقِ حديثِه عن مشاريعِ خطوطِ الأنابيبِ في المنطقة، أنّ السيطرةَ على مواردِ الطاقة يمكنُ أن تؤثّرَ في سياساتِ القوى الكبرى.
وبعد أكثرَ من سبعينَ عامًا، تُظهِرُ الأزمةُ المرتبطةُ بمضيقِ هرمز مدى الترابطِ الوثيقِ بين الاقتصادِ العالميّ ومواردِ الطاقةِ في الشرقِ الأوسطِ والطرقِ التي تنقلُها إلى العالم.
ممرٌّ ضيّقٌ بتأثيراتٍ عالميّة
لا يتجاوزُ عرضُ مضيقِ هرمز بضع عشراتٍ من الكيلومترات، لكنّه يؤدّي دورًا محوريًّا في الاقتصادِ العالميّ. فهو يربطُ مواردَ الطاقةِ في الخليجِ بالأسواقِ في آسيا وأوروبا وسائرِ العالم. ولهذا تبقى التطوّراتُ في هذا الممرِّ البحريّ الضيّق موضعَ متابعةٍ دقيقةٍ من الدولِ والأسواق. فأيُّ اضطرابٍ طويلِ الأمد فيه قد يعيدُ تشكيلَ أسواقِ الطاقةِ، ويؤثّرُ في العلاقاتِ الدوليّة، ويمتدُّ أثرُه إلى اقتصاداتٍ بعيدةٍ عن المنطقة.
ففي عالمٍ مترابطٍ اقتصاديًّا، قد يؤثّرُ مصيرُ هذا الممرِّ الصغير في استقرارِ الاقتصادِ العالميّ بأسره.
د. أدهم منصور

