على حافة حرب عالمية ثالثة هل ما زالت الأمم المتحدة ومجلس أمنها قابلين للحياة؟

في ظل الحروب التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني على إيران وعلى قطاع غزة وجنوب لبنان، وفي ظل تفرد الولايات المتحدة في اتخاذ قرار الحرب وشن الحروب على دول في العالم، يُطرح السؤال: ما جدوى وجود منظمة الأمم المتحدة اليوم، وما جدوى مجلس الأمن الذي تصوّت فيه الدول الخمس الدائمة العضوية بالفيتو حين لا يتناسب القرار الذي تجري مناقشته مع مصالح دولها.

هذه الوضعية تجعل هذه الدول الخمس القوة المحركة والفعالة في صون السلم والأمن الدوليين أو عدمهما (في حال تم استعمال حق النقض). ويعتبر حق النقض أداة لعرقلة القرارات، حتى لو حظيت بإجماع باقي الأعضاء. وبذلك تكرّس هذه الهيكلية هيمنة الدول الخمس عبر الفيتو لتعطيل القرارات، وحماية مصالحها وحلفائها، مما يجعلها أداة لفرض القوة وتشكيل النظام الدولي. وبذلك يظل الفيتو الكلمة الفصل ووسيلة هيمنة متطورة.

وبسبب استخدام حق النقض منذ تأسيسه عام 1945 يتعرض مجلس الأمن الدولي لانتقادات مستمرة، ما جعله يخفق في تحقيق أهدافه بإحلال الأمن والسلم الدوليين. هذا الامتياز الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية بذريعة ضمان وحدة “المنتصرين” لمنع حرب عالمية ثالثة، أثبت الواقع المر أنه تحوّل إلى أداة تكريس هيمنة وتحصين مصالح مسؤولي هذه الدول من أي محاسبة. وما يجري اليوم يوشي بإمكان تحول الوضع المتفجر والمتصاعد حربياً وعسكرياً إلى حرب شاملة، وربما حرب عالمية.

وتكشف سجلات الأمم المتحدة أن الفيتو استُخدم أكثر من 300 مرة حتى تشرين الثاني 2025، ثلثاها من الولايات المتحدة وروسيا وحدهما. إذ استخدمته واشنطن 48 مرة منها لحماية الكيان الصهيوني منذ عام 1972، ما مكّن سلطات الاحتلال من مواصلة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وارتكاب المجازر، وقد أودت آخرها بحياة أكثر من 70 ألف فلسطيني في غزة منذ تشرين الأول 2023. في المقابل، استخدمت موسكو حق الفيتو نحو 19 مرة منذ 2011 لصالح الدولة السورية أثناء حكم بشار الأسد. وبطبيعة الحال ظهرت الصين، بعد صمت استراتيجي طويل، لترفع وتيرة الفيتو في السنوات الأخيرة وأحياناً بالتضامن مع روسيا، بتركيز على مصالحهما المشتركة.

وهذا النظام الخماسي المهيمن ما زال يمنع اليوم أي إصلاح لخطأ تاريخي تمثل بفرض الدول الخمس الدائمة العضوية واستخدامها لحق الفيتو على الرغم من المتغيرات العالمية. المؤكد أن إصلاح مجلس الأمن بات ضرورة في ظل العجز الكامل عن أداء مهامه، وهو ما أدى إلى تراجع ثقة شعوب العالم بالأمم المتحدة بكل مؤسساتها. لقد فشلت محاولات توسيع المجلس 12 مرة منذ 1993، مع أن الدول الخمس لا تمثل اليوم سوى أقل من 25 % من سكان العالم. فعلى المستوى الاقتصادي، كلفت الأسلحة والحروب التي يحميها الفيتو أكثر من 18 تريليون دولار منذ 1945، وفق معهد ستوكهولم لأبحاث السلام في عام 2023. وعلى الصعيد البيئي، أطلقت هذه الحروب قرابة 2.3 غيغا طن من انبعاثات الكربون منذ 1990. وعلى المستوى الإنساني، سجل عام 2025 أكثر من 122 مليون نازح قسرياً وهو أعلى رقم في التاريخ، 70 % منهم في مناطق تتدخل فيها إحدى الدول الخمس مباشرة أو عبر الفيتو.

وسط عجز مجلس الأمن الدولي عن القيام بالمهمة الرئيسة له، وهي الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، يمكن القول أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ماتا بالفعل، لكن يبقى فقط إعلان الوفاة. فخلال الحرب “الإسرائيلية” على غزة أفشل “الفيتو” الأميركي كل الجهود لوقف الحرب، أو حتى إدانة “إسرائيل”، وهو ما أدى إلى إحباط شعوب العالم، وتراجع ثقتها بالأمم المتحدة ومجلس الأمن.

لقد شهدت الفترة الأخيرة (2024-2025) توظيفاً حاداً للفيتو، وصفته تقارير بأنه “انهيار للنظام الدولي” حيث يحمي الفيتو الدول الكبرى من عواقب أفعالها. ورغم امتلاك الأعضاء غير الدائمين سلطة التصويت، إلا أن “الفيتو” يظل الأداة الحاسمة التي تجعل الهيمنة فعلياً بيد القوى الخمس.

لعل شهادة وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام روز ماري ديكارلو تدل على عجز الأمم المتحدة في وضع حد للصراعات والحروب. فقد قالت في أوائل الشهر الحالي أن الأمم المتحدة تواجه أكبر عدد من الصراعات المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية. وإذ ركزت على وضع الأطفال في ظل هذه الحروب، أشارت إلى أن عدد الأطفال الذين قتلوا في هذه الصراعات هو الأعلى منذ عقود، وأن واحداً من بين كل 5 أطفال (473 مليون طفل) يعيش في منطقة صراع أو فرّ منها.

وتقول الوقائع التاريخية أن ماضي هذه الدول أكثر دموية من حاضرها. فالولايات المتحدة الأميركية أحرقت هيروشيما وناغازاكي بقنبلتين نوويتين قتلتا 220 ألف مدني في أيام، ثم شاركت في الحرب الكورية (1950-1953) التي قُتل فيها ما بين 2.5 إلى 4 ملايين شخص، معظمهم مدنيون. ثم شنّت حرب فيتنام (1955-1975) التي أزهقت أرواح نحو 3.8 ملايين فيتنامي، ورشّت 20 مليون غالون من مبيدات الأعشاب السامة الذي شوه أجيالاً.

أما بريطانيا، فماضيها الاستعماري هو تاريخ من جرائم ممنهجة ضد الإنسانية، ومجازر جماعية ونهب موارد وتجويع الشعوب سواء في شبه القارة الهندية، أو إفريقيا وأنحاء أخرى. وهي مع شريكتها فرنسا كانتا بطلي اتفاقية سايكس-بيكو 1916، ما زرع الكيان الصهيوني وبذور الصراعات التي لا تزال مشتعلة. أما فرنسا فقد ارتكبت مجازر في الجزائر (مليون ونصف المليون شهيد) وكينيا (90 ألف قتيل ومليون معتقل) وخلّفت في بلدان أخرى آلاف الضحايا المنسيين. روسيا من جهتها (الاتحاد السوفيتي) فيدوّن التاريخ مآسي جيوشها حين اجتاحت المجر سنة 1956، وتشيكوسلوفاكيا سنة 1968، وفي أفغانستان (1979-1989 مليون قتيل).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *