إيران: من لا يجيد السباحة في عالم بلا قواعد سيغرق

لم يكن مشروع تأجيج الصراع المذهبي/ العرقي في المنطقة إلا بداية متدرجة  للعدوان على إيران ومكانتها ودورها وموقعها الاستراتيجي الذي يربط الشرق الأوسط بجنوب آسيا الوسطى وآسيا الجنوبية، بل هو نهج خفيّ وقديم امتازت به سياسة الدول الاستعمارية الكبرى، إلّا أنه بدأ يظهر على مسرح الأحداث بشكل جليّ خلال السنوات القليلة الماضية (بعد الاحتلال الأميركي للعراق 2003)، وأخطر ما في مشروع الصراع المذهبي/ العرقي الحالي هو عندما تتحوّل الورقة المذهبية والعرقية إلى أداة سهلة بيد الدول الاستعمارية وتدار من قبل المستَعمَر واعتبارها أداة طيّعة تستعملها القوى الكبرى متى شاءت وضدّ من تريد، وبما أن العراق ولبنان وسوريا هما أكثر الدول تأثّرًا بهذه التداعيات والعدوان على إيران بحكم الجوار الجغرافي من جهة وطريق خطوط النفط الإيراني إلى المتوسط ومنه للعالم من جهة ثانية، لهذا يتعين عليهم (العراق ولبنان وسوريا) اتخاذ تدابير مشدّدة باتجاهين: الأول، تبنّي سياسة خارجية متزنة وحكيمة تأخذ بعين الاعتبار أهمية المرحلة وخطورة تداعياتها عليهما. والثاني، العمل على استقرار جبهاتهم الداخلية من أجل تفويت الفرصة وإفشال مخططات الأعداء.

شكل العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية نقطة انعطاف حادة فى مسار الصراع الإقليمي، ليس فقط لاتساع نطاقها العسكري، بل لما حملته من رسائل سياسية وأمنية في توقيت بالغ الحساسية؛ أضفت على الأحداث أبعادًا تتجاوز آثارها الميدانية وتمتد إلى إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي الإقليمي.

لا تتبع طهران ردود افعال عسكرية ردًا على العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها، بل تدرك أنها أمام اختبار خارجي عميق قد يفرز اصطفافات دولية جديدة وصراعات خفية داخل الأقليم، وهي لذلك عملت على خيار بالغ الكلفة عسكريًا واقتصاديًا للرد على العدوان بإغلاق مضيق هرمز. فالمضيق شريان اقتصادي عالمي لا يمكن تجاهل أهميته فى حركة التجارة والطاقة، إذ تمر من خلاله نحو 20% من الإمدادات النفطية اليومية، أي ما يقارب 17 مليون برميل يوميًا. وهذه الورقة نقلت الأزمة من نطاق إقليمي محدود إلى مواجهة أوسع ذات أبعاد دولية وهدف طهران من استخدام ورقة «المضيق» هو جلب العالم إليها للتفاوض بشأن دورها المستقبلي وإيقاف العدوان عليها.

قد تحمل الفترة المقبلة فوضى متعددة الأوجه ـ سياسية وأمنية واقتصادية ـ لا يمكن رسم حدودها بدقة، لكن المؤكد أنها ستكون عصيبة وحاسمة في تحديد شكل إيران والمنطقة.. بل ستمتد هذه الفترة لتضرب عمق المصالح الاستراتيجية لروسيا والصين والغرب في الشرق الأوسط.

لا تُعد إيران (90 مليون نسمة) مجرد لاعب إقليمي في نظر روسيا والصين، بل هي شريك أمني واقتصادي استراتيجي تم تعزيز الروابط معه بشكل مكثف خلال السنوات الأخيرة. لذا، فإن إضعاف النظام في طهران سيمثل انتكاسة سياسية كبرى لكل من الكرملين والقيادة الصينية. والسؤال هل ستكتفيان بمراقبة عجزهما عن حماية مصالحهما أمام القوة الأميركية؟

لا شك ستتجاوز نتائج الحرب على إيران حدود الإقليم لتعيد رسم ملامح نظام عالمي جديد. على المدى القريب، تؤكد هذه الحرب أن أميركا، عسكريًا على الأقل، لا تزال هي القوة المهيمنة التي لا يمكن تجاوزها بسهولة. أما على المدى المتوسط، فإن روسيا والصين ستحاولان استغلال هذه الأحداث سياسيًا لتقويض النظام الدولي القائم على القواعد الذي يقوده الغرب، وتصويره كنظام انتقائي يخدم مصالح واشنطن فقط، مما يمهد الطريق لصراع طويل الأمد على شرعية القيادة الدولية ما قبل الحرب العالمية الثالثة التي تسير بتدرج بين حروب هنا وحروب هناك.

موسكو والصين تدركان أن المواجهة العسكرية القائمة الآن لن تنحصر تداعياتها في الجغرافيا الإيرانية فحسب، بل ستمتد لتضرب عمق المصالح الاستراتيجية لروسيا والصين. وبينما تتابع موسكو وبكين بقلق تساقط حلفائهما تحت وطأة الضربات العسكرية والسياسية، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة القوى الطامحة لـ «تعددية الأقطاب» على الصمود أمام العودة القوية للهيمنة الأميركية في عهد دونالد ترامب.

ولا تبتعد كثيرًا الولايات المتحدة الأميركية عن واقع بكين وموسكو وكيفية خذلانهما لحلفائهما، فالإدارة الأميركية (الساقطة أخلاقيًا/ إبستينيًا بعد فضائحها الأخيرة) مستعدّة دائمًا للتخلي وخذلان كل أصدقائها وحلفائها وأتباعها متى ما اقتضت مصالحها ذلك، إلّا الكيان الصهيوني فإنّه خطّ أحمر، لا يجوز لأي رئيس أميركي إضعافه أو التخلّي عنه، تحت أيّ ظرف من الظروف.

في القرن السادس قبل الميلاد، كتب هيرقليطس: «إنَّ المرء لا يستطيع أن يستحم في ماء النهر الواحد مرتين، لأنَّ مياهًا جديدة تجري من حوله أبداً» … نعم، إنها السياسة، والذي لا يجيد السباحة في مياهها العميقة سيغرق ويُغرق معه الكثيرين، وهذا ما حصل كثيرًا في عالمنا وما زال يحصل… للأسف!

ندرك أنه في الحروب، تُستخدم إلى جانب الأسلحة العسكرية مختلف الأساليب غير القتالية، التي يحاول من خلالها كل طرف تحطيم معنويات عدوّه، ليعبّد الطريق للانتصار عليه؛ لأن هبوط المعنويات يجعل المحارب تحت ضغط الشعور بلا جدوى المواجهة، فيحصل الانكسار النفسي فالهزيمة.

الشيء المثير في هذه اللعبة القديمة/ الجديدة هو أن الذي يقف وراء خراب حياة الشعوب (الغرب المتوحش)، غالبًا ما يطرح نفسه المنقذ لها بعد أن يجهز على خصمه أو منافسه السياسي فيها، ويستثمر فيما بعد الفائض العاطفي الذي تفرزه مرحلة العناء والجوع لتشويه هذا الخصم المهزوم وتحميله كامل المسؤولية عمّا حصل…

ولعلّ أخطر ما في عالم بلا قواعد، ليس الفوضى الآنية، بل اعتيادها، حين تتطبّع الدول مع خرق القانون، وتُكافأ القوّة على حساب الشرعية، يصبح الانهيار الأخلاقي مقدّمة لانهيار سياسي واقتصادي أوسع. من هنا، لا تبدو توجهات الغرب حنينًا إلى نظام قديم، بقدر ما هي إنذار مبكّر: فالعالم الذي يديره الرئيس الأميركي دونالد ترامب بلا قواعد، لا يمكن التنبّؤ بمآلاته، ولا ضمان أمنه، ولا حماية مستقبله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *