قراءة في خطاب تجريم المقاومة في لبنان «حين تحمل الضحية مسؤولية العدوان»

في كل مرحلة تصعيد يمرّ بها لبنان، يعود إلى الواجهة خطاب مألوف يحاول تفسير ما يجري بطريقة تبدو في ظاهرها واقعية وبراغماتية، لكنها في حقيقتها تقوم على فرضية واحدة: أن سبب الحرب هو وجود المقاومة، وأن خلاص لبنان يكمن في التخلّي عن عناصر القوة وتسليم ملف الأمن بالكامل للدولة تحت مظلة «المجتمع الدولي»

هذا الخطاب يتكرر اليوم بصيغ متعددة في الإعلام وفي بعض الأوساط السياسية والفكرية، حتى أصبح يبدو وكأنه تحليل جيوسياسي متماسك. غير أن التدقيق فيه يكشف أنه لا يقوم على قراءة موضوعية للصراع، بل على قلبٍ واضحٍ للسبب والنتيجة، وتحويل الضحية إلى متهم، والمعتدي إلى طرفٍ يمكن استرضاؤه.

أولاً: اختزال الصراع في «مشكلة سلاح»

الركيزة الأساسية لهذا الخطاب هي اختزال الأزمة اللبنانية في قضية واحدة: سلاح المقاومة.

فبحسب هذا الطرح، لو اختفى هذا السلاح أو جرى تسليمه للدولة، لاختفى معه خطر الحرب، ولعاد لبنان إلى حالة من الاستقرار تحت حماية النظام الدولي.

لكن هذه الفرضية تتجاهل حقيقة تاريخية بسيطة: الكيان الصهيوني اعتدى على لبنان قبل ظهور المقاومة بسنوات طويلة.

فقد اجتاح جنوب لبنان عام 1978، ثم اجتاح البلاد مجدداً عام 1982 ووصلت قواته إلى بيروت. في تلك المرحلة لم يكن هناك حزب الله ولا صواريخ ولا «محور مقاومة»، ومع ذلك لم يمنع ضعف الدولة اللبنانية ولا غياب أي قوة ردع الاحتلالَ من التقدم عشرات الكيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

هذه الحقيقة وحدها تكشف أن المشكلة لم تكن يوماً في وجود المقاومة، بل في طبيعة المشروع الصهيوني نفسه.

ثانياً: تجاهل العقيدة الاستراتيجية للكيان الصهيوني

يقدّم الخطاب الذي يحمّل المقاومة المسؤولية إسرائيل كدولة تسعى فقط إلى حماية أمنها. لكن قراءة العقيدة العسكرية الإسرائيلية منذ تأسيس الكيان تظهر صورة مختلفة تماماً.

هذه العقيدة تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية: نقل المعركة إلى أرض الخصم، وتدمير أي قدرة عسكرية محتملة في محيط الكيان، وفرض مناطق عازلة خارج حدوده. وقد طُبِّقت هذه المبادئ في أكثر من ساحة: في سيناء قبل اتفاق كامب ديفيد، وفي الجولان منذ عام 1967، وفي جنوب لبنان قبل عام 2000، وفي غزة منذ سنوات.

بذلك يصبح الحديث عن أن المشكلة تكمن فقط في «استفزاز إسرائيل» أو «إعطائها الذرائع» قراءة تتجاهل حقيقة أن المشروع الإسرائيلي نفسه يقوم على التفوق العسكري الدائم ومنع ظهور أي قوة موازنة في المنطقة.

ثالثاً: وهم الوسيط الدولي

جزء أساسي من هذا الخطاب يقوم على التعويل على «المجتمع الدولي» لوقف الاعتداءات، وغالباً ما يجري تقديم الولايات المتحدة باعتبارها الجهة القادرة على إلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي.

غير أن الواقع السياسي يقول شيئاً مختلفاً. فالولايات المتحدة هي الداعم العسكري والسياسي الأول للكيان الصهيوني، وهي التي وفرت له طوال عقود الغطاء في مجلس الأمن والهيئات الدولية. لذلك فإن تصويرها كوسيط محايد يتناقض مع أبسط قواعد فهم العلاقات الدولية.

التاريخ القريب يوضح ذلك بجلاء: عشرات القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين ولبنان بقيت حبراً على ورق، ليس بسبب ضعف الدول المتضررة فحسب، بل لأن النظام الدولي نفسه منحاز في جوهره.

رابعاً: قلب المعادلة بين القوة والسلام

الفكرة الضمنية التي يروج لها خطاب تجريم المقاومة هي أن السلام يتحقق عندما يتخلى الطرف الأضعف عن عناصر قوته. لكن التجربة التاريخية في العالم تشير إلى العكس تماماً.

ففي معظم الصراعات، لا يتحقق الاستقرار إلا عندما يصبح ثمن العدوان مرتفعاً على المعتدي. وهذا ما تؤكده تجارب عديدة في التاريخ الحديث، حيث لعبت حركات المقاومة دوراً أساسياً في ردع الاحتلال أو إنهائه.

أما الرهان على أن تجريد بلدٍ صغير من أدوات الردع سيؤدي تلقائياً إلى احترام سيادته، فهو رهان يقوم على حسن النية في عالم تحكمه موازين القوة.

خامساً: المشكلة الحقيقية

إن اختزال الأزمة اللبنانية في الصراع الداخلي حول السلاح يتجاهل السياق الجيوسياسي الأوسع الذي تعيشه المنطقة. فلبنان ليس معزولاً عن الصراعات الكبرى في المشرق، بل يقع في قلب مواجهة تتعلق بتوازن القوى الإقليمي وبطبيعة النظام الذي يسعى الكيان الصهيوني إلى فرضه في محيطه.

لذلك فإن تحويل النقاش من سؤال «كيف نواجه الاعتداءات الإسرائيلية» إلى سؤال «كيف نتخلص من عناصر القوة التي نملكها» لا يؤدي إلى حل الأزمة، بل إلى إضعاف موقع لبنان أكثر في معادلة الصراع.

في الخلاصة، قد يختلف اللبنانيون في السياسة وفي تقييم دور القوى الداخلية، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع تعددي. لكن تحويل النقاش إلى اتهام دائم للمقاومة بأنها سبب كل ما يجري يتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا معاً.

فالمشكلة في هذه المنطقة لم تكن يوماً في وجود من يقاوم، بل في وجود مشروع توسعي لا يتوقف عن فرض وقائعه على الأرض ما لم يجد من يردعه.

ولهذا فإن أي نقاش جدي حول مستقبل لبنان وسيادته لا يمكن أن يبدأ من سؤال «كيف نتخلى عن عناصر القوة»، بل من سؤال مختلف تماماً: كيف نحمي البلد من مشروع الهيمنة الذي لم يتوقف منذ عقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *