يواجه الاقتصاد الأمريكي، بعد عام من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، واقعًا مركّبًا ومعقدًا للغاية؛ إذ تتقاطع السياسات الحمائية، وخفض الضرائب، وتوسع الإنفاق، مع تحديات حقيقية في النمو، والوظائف، والتجارة الدولية. ما يجري اليوم ليس نسخةً لما كان عليه الوضع في 2017–2020، بل هو نموذجٌ اقتصاديٌ جديدٌ قائمٌ على مزيج من الاحتياطات والتوترات المالية والجمركية.
الناتج المحلي والإنتاجية: نماذج متناقضة للنمو
الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، هو أبرز مؤشر اقتصادي يقيس صحة الاقتصاد، وقد سجّل في 2025 أداءً متفاوتًا: إذ بلغ النمو السنوي 2.2% في عام 2025، وهو معدل أعلى من وتيرة النمو التاريخية الأميركية المتوسطة، لكنه أضعف من التوقعات قبل فرض الرسوم الجمركية وتراجع الإنفاق الحكومي بسبب إغلاق فيدرالي استمر 43 يومًا، كما تباطأ النمو بشكل ملحوظ، في الربع الأخير من 2025، إلى 1.4% فقط، وتشير بيانات سابقة إلى أن الاقتصاد الأميركي كان عند مستوى 2.4% من النمو في الربع الرابع من 2024، قبل الانعكاسات الحادة للسياسات الجمركية الجديدة. تظهر هذه البيانات أن النمو ما زال إيجابيًا، لكن قوة هذا النمو ليست ثابتة، وهو يتأثر بشكل كبير بقرارات السلطة التنفيذية والسياسات الخارجية، ما يضعف قدرة صانعي القرار على تحقيق استقرار على المدى الطويل.
التجارة والتعريفات الجمركية: لغة الحمائية المعقدة
الحماية التجارية المكثفة هي إحدى الركائز الرئيسية في استراتيجية ترامب: فعلى الرغم من فرض تعريفات جمركية واسعة في 2025، لم يقلص العجز التجاري الإجمالي إلا بنسبة 0.33% (من حوالي 904 مليار دولار إلى 901 مليار دولار). كما ظهرت مواطن عجز جديدة مع دول كتايوان وفيتنام والمكسيك. كما أن الزيادة في العجز مع بعض الشركاء كانت مدفوعة بالتجارة في السلع التقنية كالرقائق الإلكترونية التي لا يستطيع الإنتاج المحلي تلبية الطلب عليها بسرعة. استخدمت إدارة ترامب التعريفات أداة لردم العجز التجاري، وبناء صناعات محلية أقوى، لكن الاقتصاد العالمي المعاصر يتميز بتشابك سلاسل الإنتاج، ما جعل كثيرًا من الرسوم تتحول إلى أعباء على المستهلك أو على شركات تستخدم الواردات كمدخلات صناعية. ويشير تحليل أكاديمي حديث لسياسات التعريفات إلى أن الزيادات الجمركية قد تقود إلى خسائر في العمالة والتصدير في قطاعات متعددة. وتُظهر نماذج اقتصادية انتشارًا عالميًا للخسائر يتجاوز 23 مليون وظيفة في السيناريو الأكثر تشددًا.
سوق العمل والتوظيف: مؤشرات مختلطة
لا يزال سوق الوظائف مصدر قلق، خصوصًا وسط تغيرات في السياسات، إذ بقي معدل البطالة منخفضًا نسبيًا لكنه ارتفع قليلًا مع بداية 2025 إلى حوالي 4.3%، وهو أعلى مما كان عليه في السنوات السابقة، ما يزيد من قلق أصحاب العمل والمستهلكين. ورغم ذلك، فقد حقق سوق العمل، في بعض شهور الذروة، زيادة في فرص العمل وتقليل البطالة ما عزز التفاؤل حول قدرة الاقتصاد على الصمود.
الديون والعجز: الفقاعة المتنامية
تواجه الولايات المتحدة، وحتى في سياق النمو، ضغطًا ماليًا مقلقًا، إذ تؤكد توقعات وكالات التصنيف الائتماني كفيتش مثلًا (Fitch) قدرة الولايات المتحدة على التمويل بفضل هيمنة الدولار، لكنها أشارت إلى ارتفاع كبير في الإيرادات الجمركية بلغ 244.68% (من حوالي 77 مليار في 2024 إلى 250 مليار في 2025)، ما يعكس سياسة ضريبة غير مسبوقة وتوسّعًا في مصادر العائدات العامة.
ورغم هذا، يضيف العجز العام، والحاجة إلى تمويل نفقات الفوائد على الدين، ضغطًا طويل الأمد على الموازنات الفيدرالية. وقد لاحظ تقرير مستقل، في هذا السياق، أن الديون الوطنية الأمريكية ارتفعت بشكل كبير في 2025 إلى ما يقرب من 37.6 تريليون دولار، بمعدل دين للفرد يتجاوز بكثير المتوسط في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعكس هيكلًا اقتصاديًا يعتمد على الإنفاق والديون بصورة متنامية. زبدة القول: يظهر الاقتصاد الذي يعتمد على الإنفاق والديون بصورة متنامية مؤشرات نمو قصير المدى، لكنه يعرض الدولة لمخاطر هيكلية كبيرة تشمل زيادة عبء خدمة الدين، وفقدان المرونة في مواجهة الأزمات، وارتفاع أسعار الفائدة، والإضرار بالاستثمار، والتضخم، وفقدان الثقة في العملة، وتحميل أعباء على الأجيال المستقبلية، وهشاشة أمام الصدمات الاقتصادية العالمية.
تفاوت اقتصادي داخلي: من يستفيد ومن يتضرر؟
تظهر السياسات الاقتصادية الحديثة توزيعًا غير متساوٍ في الفوائد، إذ استفادت الطبقات الأكثر ثراءً، والمحافظين، في الأسواق المالية، من ارتفاعات المؤشرات كمؤشر داو جونز، الذي تجاوز مستويات غير مسبوقة مؤخرًا، مع اهتمام كبير بالاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة. أما الطبقات الوسطى والدنيا، فقد عانت من ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ الأجور الحقيقية، مع خروج بعض الوظائف الصناعية إلى الأسواق التي لا تزال مرتبطة بالواردات التقنية المكثفة. الاحتباس التضخمي (ارتفاع الأسعار مع تباطؤ نمو الأجور) مشكلة ملحة تعاني منها شرائح واسعة، خصوصًا في المدن الكبيرة ذات تكاليف السكن المرتفعة.
السياسات المستقبلية: الذكاء الاصطناعي والضريبة
تظهر أحدث التحولات في 2025–2026 بعض الاتجاهات الطموحة، إذ أن خفض معدلات الضرائب على الشركات إلى مستويات تاريخية، مع تعزيز استثمارات الأعمال في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أعطى بعض الزخم للانطلاق في المستقبل. وقد أشارت بعض التوقعات إلى احتمال تسارع النمو في 2026 وحصول انتعاش في السوق، خاصة مع خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، إلا أن هذا يبقى مرتبطًا بمدى قدرة السياسة الاقتصادية على احتواء تداعيات زيادة الرسوم الجمركية.
المشهد الدولي: انعكاسات عالمية وسياسات متعددة الأقطاب
لا تقتصر آثار السياسات الأمريكية الحديثة على الداخل، إذ أثارت التوترات الجمركية تحذيرات عدة من غرف تجارية عالمية، وخصوصًا في أوروبا، حيث تقدر التجارة مع الولايات المتحدة بتريليونات الدولارات، وكان هناك تهديد بإجراءات مضادة تزيد، إن نفذت، من عدم استقرار الاقتصاد العالمي. كما أن التحولات في أسعار الفائدة، وقرارات مناسبة أخرى ذات عمق دولي، تزيد من تعقيد الصورة. إذ ترتبط قوة الدولار، وأداء الأسواق المالية الأمريكية، ارتباطًا وثيقًا بالأسواق الناشئة وبالاستثمارات الأجنبية.
تأثير الحرب (المحتملة) على إيران على الاقتصاد الأمريكي المعتمد على الديون
تمثل الحرب على إيران، حتى لو كانت محدودة جيوسياسيًا، عاملًا مضاعفًا لمخاطر الاقتصاد الأمريكي الهيكلي بسبب اعتماده على الإنفاق والديون كالآتي: (1) زيادة الإنفاق العسكري مباشرة، و (2) ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، و(3) التأثير السلبي على الأسواق المالية، و(4) تفاقم العجز التجاري، و (5) تزايد الضغوط على السياسة النقدية، و (6) التأثير السلبي على الدين العام والجيل القادم. أي أن الحرب مع إيران تعمل كمضاعف للمخاطر الاقتصادية الهيكلية الحالية، ما يجعل الاقتصاد الأمريكي أكثر هشاشة، وأكثر اعتمادًا على التمويل بالديون مع ضعف المرونة المالية.
خلاصة تحليلية: نموذج ترامب الاقتصادي في 2026
تشير أرقام 2024–2025 إلى أن النمو ما زال إيجابيًا لكنه ضعيفٌ نسبيًا مقارنة بالتوقعات التقليدية، مع تأثر واضح بالسياسات الجمركية والإغلاق الفيدرالي، وإلى أن التعريفات الجمركية أعادت توجيه التجارة، لكنها لم تحقق انخفاضًا واضحًا في عجز التجارة الكلي، بل أعادت توزيعه بين شركاء عالميين مختلفين، وإلى أن سوق العمل يعكس قدرة البلاد على الاحتفاظ بالوظائف، لكنه يواجه ضغوطًا بنيوية بسبب التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، كما أن الديون الفيدرالية والعجز المالي يشكلان تحديًا هيكليًا بعيد المدى يمكن أن يؤثر على التصنيف الائتماني والقدرة المالية للدولة خلال العقد القادم.
د. رمزي صالحة

