مسرحية أبو الزوس

مرة أخرى تعود المخرجة اللبنانية، لينا خوري، بمختبرها المسرحي الخاص، إلى خشبة مسرح دائري هذه المرة ( قاعة مسرح غلبكيان في حرم الجامعة الأمريكية اللبنانية)، لتقديم مسرحية (أبو الزوس) ( زوس الإله الإغريقي الشهير) في اقتباس ذكي من مسرحية ( الإله) لوودي ألن المكتوبة منذ عام 1975، ربما يكون هذا الاختيار يلمح إلى المسافة الظاهرية التي تفصلنا مسرحياً «على الأقل»، عن العالم، ومحط الابتكار هنا يكمن في تغيير المكان الاجتماعي في نص وودي ألن، إلى مكان اجتماعي لبناني بتفاصيله اليومية، عبر طرح أسئلة تبسيطية هي من مجال العيش العادي، ولكن الإجابة عليها تحتاج إلى كمية هائلة من المعرفة، تكشف التدني الهائل في استخدامات قيم المعرفة، في لحظة تحولها إلى استهلاكيات تخضع لمعايير العرض والطلب، التي تتقافز بالإنسان على سلم المكانة والنجاح، من الحضيض، حتى التربع على قمة النجاح والشهرة.

نجاح العمل المسرحي عند لينا خوري، لا يتوقف مع الحصول على نص خلاب، بل تستمر محاولات إعادة بناءه، وإعادة تنظيم علائقه الدرامية، وحواراته المتنقلة بين الأزمنة والأمكنة، وكذلك المتنقلة بين العقليات، والموضات الدارجة في ممارسة الحياة على الأرض، ومنه يمكننا إطلاق صفة الخطورة الفنية على هذا النص المشغول بطريقة تراكمية، بحيث يمكن للمشاهد تمييز خطوط التلحيم بين طبقاته، وهو ما يشبع القصدية وعدم الإرتجال،إفتضاحاً، فهي أرادت أن يكون العمل مكشوفاً تماماً لمشاهديه في امتحان إبداعي للسهل الممتنع، من خلال الشغل الدقيق على تركيب عناصر العمل، ( من لغة النص، إلى السينوغرافيا والإكسسوار والإضاءة والملابس)، وكلها مدروسة على اعتبارات المسرح الدائري، المختلفة عن اعتبارات العلبة الإيطالية.

باستعادة عابرة لمسرحيتها (فيزيا وعسل)، نلتقط قلق لينا خوري الوجودي، حول «إدارة المعنى»، وما يعنيه من سيطرة الوهم على الخيال، بطريقة يصعب عكسها، إلا بتبسيط الفكرة إلى أسئلة مفهومة، هذه الأسئلة يكثفها بلان كيز بطل رواية كتبها ديمتري، الذي يعتبر تلك الأسئلة تقليلاً من شأنه وكفراً به، ليلاقيه بلان كيز، بسؤال أكثر سماجة على قلبه، لماذا صنعتني وتعرف أنني فاشل وتافه؟، عبر متلازمة سؤال جواب، حول معرفة صاحب الحق بإدارة المعنى، الصانع أم المصنوع على صورته كمثاله. ما يفتح الباب على مصراعيه للسخرية السوداء عندما نكتشف أن الكاتب/ الصانع يطمع بالحصول على جائزة الموريكس دور اللبنانية المعاصرة، في نقلة نوعية بين الأزمنة، يجعل من السؤال الوجودي سؤالاً تكراريا، عابر للأزمنة والأمكنة، يتصارع الجميع (حتى العبيد) على الفوز بسلطة إدارة المعنى.

كانت هذه الرؤية المختصرة من زاوية واحدة لمسرح دائري، بذلت المخرجة جهوداً واضحة للإمساك بمقوماته في صراع تقني مع مقومات العلبة الإيطالية، فالخشبة ليست مجرد مكان يلقي فيه الممثلون محفوظاتهم، بل هو بالأساس مكان للجمهور، حيث التقطت خوري الفرصة كاسرة الجدار الرابع ومشركة الجمهور، جالبة الحكاية المسرحية من أقاصي التاريخ الإغريقي، إلى كنف اللحظة الواقعية، حيث أجادت إدارة اللعبة «المعنى»، بتقديم عمل مسرحي بمقصدها المعرفي، الذي اختزنته من التجربة كممارسة للمعرفة، عند إخراجها من بطون الكتب، إلى هواء العالم.

من الصعب للغاية سرد هكذا نص/عمل، وتقديمه باختصار إلى الجمهور كحكاية تعطي فكرة عن المحتوى، فهو منسوج تماما كي يقدم للمشاركة مع المشاهد، فالفرجة هنا ليست مجرد تلقي، أنها تلمس الوجود الشخصي، في عوالم متباينة، إنها بحث عن الإرادة المستقاة من الشروط التهويمية لصنع البشر، حيث لا إجابات حاسمة إلا بالتجربة، وبهذه الذريعة توجهت هذه الأسئلة إل الإله الإغريقي زوس الذي انتحر لإنه لم يستطيع تقديم المساعدة في تفعيل الإرادة التي خلقها فيهم.

عمل كوميدي مركب وباهر، استطاعت لينا خوري أن تجمع خيوطه المبعثرة في الزمان والمكان، إلى عقال واحد هو الاجتماع اللبناني، بسلاسة ودون ادعاءات مهارية مشتتة لانسجام فعل المشاهد مع فعل المسرحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *