نكتب في زمن لا يحتمل التزييف. زمن سقطت فيه الاقنعة دفعة واحدة، وانكشفت فيه منظومة القتل بكامل حلقاتها: قرار يدار من واشنطن، سلاح ينفذ في فلسطين، تبرير يصاغ غربيا، وتسهيل عربي رسمي يفتح الابواب ويغلق العيون.
ما نعيشه اليوم ليس ازمة سياسية عابرة، بل مشروع تصفية شامل يستهدف الارض والانسان والمعنى معا.
في فلسطين، وخصوصا في غزة، تنفذ الابادة بوصفها خيارا سياسيا، القصف، التجويع، الحصار، محو المدن فوق ساكنيها، ليست اخطاء حرب ولا تجاوزات طارئة، بل ادوات مدروسة لإخضاع شعب وكسر فكرة وجوده من اساسها. الاحتلال لا يخشى المحاسبة، لإنه يدرك ان الحماية الامريكية مطلقة، وان الغرب سيعيد صياغة الجريمة بلغة «الامن»، وان انظمة عربية ستتكفل اما بتطبيع المجزرة او بإغراقها في الصمت.
وحين يتوهم القتلة ان الدم قد ادى وظيفته، يبدأ الطور الاخطر: ادارة ما بعد الابادة. هنا يظهر ما سمي بـ «مجلس السلام في غزة»، لا بوصفه مبادرة سياسية، بل باعتباره مجلس، وصاية واخضاع ونهب. مجلس يراد له ان ينتزع القرار من اهل الارض، ويسقط حق المقاومة، ويحول الصمود الى ملف اداري، والركام الى سوق، واعادة الاعمار الى اداة ابتزاز. سلامهم ليس سوى اسم حركي لخصخصة المعاناة، وربط الخبز بالطاعة، والسيادة بالتمويل المشروط.
هذا المجلس لا يشكل استثناء، بل يقدم نموذجا قابلا للتعميم: غزة اليوم، والمنطقة غدا. مجالس تفرض من الخارج، اقتصادات تدار بالديون، سيادة مجزأة، ومقاومة تجرم. انه مشروع متكامل لاركاع المنطقة، لا بالدبابات وحدها، بل بالإدارة والمال، واعادة تعريف الهزيمة باعتبارها «واقعية».
وفي موازاة ذلك، يعاد تصنيع الخطاب عربيا على نحو ممنهج: الاحتلال يصبح «امرا واقعا»، الابادة يعاد تسميتها «دفاعا عن النفس»، والمقاومة تختزل الى «مشكلة». هنا لا نتحدث عن سوء تقدير او خطأ في القراءة، بل عن انخراط مباشر لبعض الانظمة العربية في منظومة الاخضاع سياسيا وامنيا واقتصاديا، وصولا الى تحويل فلسطين من قضية تحرر وطني الى ملف استثمار وتسوية.
في هذه اللحظة الفاصلة، تتحمل احزاب المقاومة مسؤولية تاريخية استثنائية.
ما نواجهه ليس نزاعا قابلا للإدارة، بل حرب وجود مكتملة الاركان. والتمسك بالمقاومة هنا ليس خيارا تكتيكيا ولا شعارا تعبويا، بل شرط بقاء. من يتخلى عن المقاومة في حرب وجود لا يختار التهدئة، بل يوقع على الالغاء.
دور احزاب المقاومة اليوم ان تكون حارسة للمعنى: ان تسقط اوهام «مجالس السلام»، وان تفضح وظيفة الاعمار المشروط، وان ترفض تحويل المقاومة الى بند تفاوضي، وان تنظم الغضب الشعبي بدل تدجينه، وان تبقي البوصلة ثابتة في وجه محاولات الارباك المتكاثرة. فالتخلي عن المقاومة لا ينتج سلاما، بل تصفية سياسية واقتصادية وثقافية.
والتمسك بالمقاومة لا يعني الجمود، بل يعني تطوير الادوات من دون المساس بالجوهر: اعلام يعري منظومة القتل والنهب، سياسة تتحرر من لغة الاستجداء، وخطاب هجومي واضح يربط بين واشنطن وتل ابيب وبعض العواصم العربية ضمن مشروع واحد. خطاب لا يعتذر عن الحق، ولا يساوم على الثوابت، ولا يتردد في تسمية الاشياء بأسمائها.
أما الاصطفاف مع منظومة الهيمنة والقتل والنهب، واما الانحياز الواضح الى حق الشعوب في البقاء والتحرر. لا حياد في الابادة. لا منطقة وسطى في حرب وجود. ولا سلام يمكن ان يولد من رحم المجزرة.
من هنا تبدأ المواجهة الحقيقية: سقف سياسي بلا اوهام، مقاومة بلا مساومة، اسقاط شامل لكل مشاريع الاخضاع المقنعة، وتطوير ادوات تعزز الصمود بدلا من استبداله. ما دون ذلك ليس سياسة، بل تكيف مع الوحشية، وشراكة فعلية في ادارة الهزيمة.


