هل هناك قرابة بين الشرعية، والصواب السياسي؟.. هذا سؤال ابتدائي واضطراري بنفس الوقت، لآنه ما يبنى على مقتضيات الإجابة على هذا السؤال، يأخذنا إلى مرابع المسؤولية ومعانيها، ولأنه من مقتضيات هذا السؤال، معرفة معنى الشرعية، ومصدرها، وأدوات المحافظة عليه، في حال أن ما نسأل عنه الآن هو «الدولة» بتعريفها التكنولوجيات المعاصر والواقعي، وهن تترتب مسؤوليات على رجالات الشأن العام وهي القيام بأدوار قيادية مقنعة لمانح الشرعية، ليترك له تولي أمور الدنيا التي تفترضها وتفرضها الوقائع والحاجات للعيش والاستمرار، وهي أدوار تبدأ بالوعد (ما يسمى تسليف الثقة)، وتتوج بتنفيذ هذا الوعد «بنجاح»، وهو شرط لازم، إذ لا يكفي العمل على تنفيذه مع شرط العصا السحرية، ولا يكفي القول من الذي لا يعمل لا يخطئ (وهذ المثل يختص بالعامة من الناس وليس القياديين)، فالقياديين يجب أن يعملوا ويحاسبوا على طريقة الأداء وأيضاً النتائج، وهنا نكون رسمنا دائرة كبرى تحيط بموضوع الشرعية، وهي الجهة التي تسلف الثقة لـ «رجالات» الشأن العام، بشرط أن يخدموا تحت المراقبة، وأيضاً تحت المساءلة على الفشل والنجاح، ولهذا أسميوا مسؤولين، وهذه الجهة المانحة للشرعية على ما وصلت إليه الإنجازات الحديثة لتكنولوجيات إدارة المجتمعات (الحكم أو السلطة)، هي جهة مشتقة من المساواة المؤسِسة للكيان الاجتماعي، هذه المساواة القائمة على ممارسة الحقوق والواجبات، المبنية على معرفة حقوقية تصنّع وتنتج الإرادة، التي تنظمها المؤسسات ( برلمان، أحزاب، نقابات، إنتخابات..إلخ ..الخ) للوصول إلى إعطاء الثقة، وتحديد المسؤولين عن الإدارة /الحكم، في هذه الدنيا حصراً، ومنه على الاجتماع البشري مهما كان نوعه ( رعايا، سكانيات، قبائل ……. مجتمع حديث إلخ)، الخضوع للدستور وللقوانين المنبثقة منه وغير متناقضة معه، بناء على الإرتضاء الذي توافق عليه الجمع بخصوص العيش المشترك على بقعة جغرافية تسمى «الوطن» ويحددها الدستور، حيث تطول الصلاحيات السيادية كل خارج عن القانون المتفق عليه في أي نوع من أنواع الاجتماع البشري ذي الكرامة المنصوص عليها في شرعة حقوق الإنسان.
إذن : يحتاج رجل/ امرأة، العمل العام إلى رخصة من مرجعية مقبولة عقلاً وعملاً، لتسمح له وعبر القوانين للممارسة الدور القيادي تحت المراقبة ( وهذه النقطة جبّتها في سوريا، الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ والقوانين الاستثنائية، وقوانين الإرهاب منذ عام 1958 )، هذا التنطيش المديد للدستور والقانون، جلب على البلاد كل هذا الويل الذي لا نرى لنهايته مشارف، فالممارسة السياسية، هي عينها الثقافة الحقوقية الممنوعة بحكم، تسليف الثقة من شرعية حزبية أو ثورية أو ماورائية، فشرعية النظام القديم تأتي من الشرعية الحزبية، كقائدة للدولة والمجتمع، ليتحول الإجماع الحزبي إلى إجماع جماهيري مزيف، أو أنه استنتاج منطقي في مسألة واهية، ولم تشكل هذه «الشرعية» أية خبرات معرفية سياسية أو حقوقية، تعي وتحمي حيوات الناس، الحق الأولي والطبيعي والبدهي للفرد، ناهيك عن كرامتهم وعيشهم وشبعهم، وهذا هو ما يستوجب المراقبة على أي «حكم» أو «حاكم» أو «حكام»، كي لا تتحول المولاة والمعارضة إلى تنافس بالدم عبر الميليشيات، (هذا ما قام به الكثير من الحكام العرب، وهذا ما قامت به المعارضات)، فالـ «حكم» مجاله المستقبل مبنياً على واقع الشبع مادياً ومعنوياً، والذي لم يراقَب من المؤسسات المصنوعة من الإرادة البشرية حصراً، هو الذي يقدم «لمحكوميه» مستقبلاً كالذي وصلت إليه سورية، وليس من أحد يريد أن يتكرر الموضوع، بواسطة ارتجال شرعية مبنية على التذاكي الإعلامي، فالشعب الذي حرم من ممارسة حقه السياسي حتى أضاعه، يحتاج إلى رجالات دولة شرعيون على الأقل، لا ينتظرون الإنقلاب عليهم بالسلاح والمجازر. هنا تبدو الشرعية ضرورة أكثر من الرجالات أنفسهم، ولا يمكننا التعلم من التاريخ الأمجاد والمفاخر التي لا شاهد فعلي عليها الآن، فقط يمكننا التعلم من أخطاء التاريخ بأن لا نكررها، وكل مستلزمات العيش في العصر تحتاج إلى هذا النوع من الشرعية حصراً.
الواقع هو ما يستحقه أي شعب لم يمارس السياسة يوماً، ولم يكتسب أي خبرات حقوقية بشرية، يحافظ بإستعمالها على حياته وكرامته، فالحكام بشر، ويمكن لهم أن يخطئوا، والضمانة الوحيدة هي الشرعية، التي تأتي مشروطة تأسيساً، بالمراقبة والمحاسبة، دو أي حساب للشعبية والجماهيرية، إنطلاقاً من الدستور، وبهذا يمكن لدولة أن تؤسَس وتؤسس، لمجتمع قادر على إستقبال المستقبل، أما ما يرتضيه شعب مقموع، خالٍ من شبهات المعرفة الحقوقية، فهو وصفة أكيدة للمقابر الجماعية للأجداث والكرامات معاً.
لقد كانت الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ والاستثناء، عبارة عن إعطاء فرصة للحاكم المتغلب ذي الشوكة ( لذلك تأتي أحكام الطوارئ في الدولة المعاصرة محدود الزمن وصعبة التمديد) ليقوم بتجيهز الأوضاع والتحضر للشبع والمنعة، التي يدخل بهما أي مجتمع عالم المستقبل، وكذلك العالم الأرضي المحتدم بالتنافسات والصراعات الدولية، ولكن هذه الأحكام لم تنتج إلا تخلفاً (التخلف هو الضعف) وفاقة ودماء، وتحول تعريف كل الأداءات الحكومية، إلى تعاريف مزيفة يعرف الجميع أن مزيفة ويسكتون أو يوافقون نفاقاً، لتتحول كل المشكلات الحقيقية إلى أوساخ تحت السجاد، توافقاً وتزامناً مع حضور المستبد الدكتاتور العادل الذي يمتلك كل مواهب الدنيا بالإضافة إلى إكتماله المعرفي الذي لا يأتيه الباطل من حدب.
هذا كله حصل في البلاد السورية (لم تتحول إلى وطن بعد) وبلاد عربية غيرها، ونراهم يحصدون في السودان وليبيا وغيرها مثالاً، فبقدر ما يزرع الاستبداد من جهل بالمعرفة الحقوقية، بقدر ما يكون شلال الدم المستقبلي قوياً، والندم لا يأتي على صورة وعكة نفسية يمكن معالجتها، بل يأتي بشكل تأسيس لاستبداد قادم يشبه الزائل بنتائجه، وهكذا تدور طاحون الزمن، تهرس بين أسنانها المتخلفون اللذين استهانوا بالشرعية واعتبرها من حق المتغلب فقط، مستهترين بحقوقهم التي يعرفها الإعلام تعاريف زائفة، تفرغ الحياة من معناها الطبيعي، وتحول الحياة إلى مجرد عيش على حافة الخطر الدائم، وهنا يبدأ الموات البطيء والدامي، ليصبح الفناء غاية.
نجيب نصير