النيروز في التاريخ

النيروز في التاريخ

عند البحث عن تاريخ عيد النيروز علينا ألا نركز على الاسم لأنه أتى في فترة متأخرة ومن خلال الثقافة الفارسية.. وبذلك نظلم ظهوره الذي نعتقد ونؤكد أنه ظهر مع وعي الإنسان للطبيعة التي حوله وتغيراتها المتعلقة بالزمن، ودورية هذه التغيرات في الطبيعة بالنسبة له.. فبدأ يثبت بدايات ونهايات أي تحول يراه أو يعيه.. ومن أهم التغيرات كانت الانقلاب الصيفي والانقلاب الشتوي ففيهما تخلع الطبيعة في نصف الكرة الأرضية الشمالي حلتها وترتدي حلة جديدة …فحول الانقلاب الصيفي إلى عيد البداية (بداية ظهور النباتات) والانقلاب الشتوي (نهاية حركة الحياة وبدء سكون الطبيعة).. وبينهما الحصاد وجني المحاصيل والغلال….
من هنا أخذ هذا العيد (النيروز) أسماء متعددة عند شعوب الأرض كافة، وسنحاول أن نقدم لمحة عن بعضها … ونبدأ من بداية الحضارة في شكلها الزراعي، وهي بالتأكيد في منطقتنا العربية ولدى الشعب العربي بكل مظاهره التاريخية والحضارية … وسنحاول رسم خط بياني لظهور عيد النيروز من خلال علاقته بالزمان والمكان.
أولاً – عند العرب: أ- لدى العرب السوريين القدماء: سمى السومريون عيد النيروز {زكموك} وكان ذلك قبل خمسة ألاف عام يعود الاحتفال بهذا اليوم الذي هو أيضاً يوم الاعتدال الربيعي إلى قدماء السومريين الذين قد يكونون من الأوائل الذين احتفلوا به. حيث تقول إحدى اساطير السومريين بان اناننا Inanna السومرية Sumerian آلهة الجمال المقابلة لعشتار البابلية آلهة الشهوة والحب لديهم اغترت بنفسها وبقوتها فذهبت للعالم السفلي “عالم الموت” الذي تحكمه اختها “اوتونيحال” للتغلب على الموت وعند ذهابها هناك فقدت جميع اسلحتها ولم تستطع العودة حيث تغلبت عليها اختها. فانعدمت الشهوة لدى الإنسان والحيوان ووقف التناسل (حسب الأسطورة البابلية) والشباب والجمال في العالم (حسب النسخة السومرية) وفي مدينة الوركاء تحديداً. ابتهل الناس إلى الاله الأكبر ” انكي” Enki السومري لإعادتها للحياة حسب الأسطورة. كانت عشتار مخطوبة لتموز Dumuzi إله الخضرة. قبل أنكى تضرع الناس حسب الأسطورة وقرر ان تغادر عشتار العالم السفلي على ان تجد احداً يموت (يذهب إلى العالم السفلي بدلها) فصعدت إلى الأرض مع حرس من العالم السفلي لتختار احدا بدلها حيث وجدت تموز بين الفتيات الجميلات لا يفتقدها. لهذا اختارته. بموت تموز ماتت الخضرة على وجه الأرض. فاستاء الناس وابتهلوا ل “انكي” مع ام واخت تموز التي تبرعت للنزول بدله إلى العالم السفلي لكي يصعد هو إلى الأرض ليعيد لهم الخضرة والفرح. قبل أنكى دعواتهم لهذا قرر ان يصعد تموز إله الخضرة إلى الأرض لمدة ستة أشهر على ان يعود إلى العالم السفلي في الأشهر الست التالية. وبهذا احتفل العراقيون القدماء بتموز الداخل إلى الأرض من العالم السفلي بعيد الدخول، الذي من علاماته انتشار الخضرة والازهار على سطح الأرض. وهو نفسه بدء السنة حسب تقويمهم. تحتفل العديد من دول العالم بعيد النيروز وهو أول أيام الربيع وتختلف الأسباب التاريخية في هذا العيد لكن تتوحد المعاني وهي البدء والحياة. ويعود تاريخ الاحتفال بهذا العيد (عيد النيروز) إلى الحضارة البابلية والسومرية حيث ظل سكان الرافدين يحتفلون بهذا العيد لحوالي ثلاثة آلاف عام حتى انتشار المسيحية. فقد سماه السومريون (زكموك) وفي بابل ونينوى (اجيتو – الحج) أي عيد رأس السنة ويبدأ في اول يوم من السنة حسب التقويم السومري الذي يعتبر يوم المنقلب الربيعي ويصادف الآن (21 آذار) حيث تنبثق الحياة ويظهر الربيع، فقد كان الكاهن الأعظم يصلي للألة (مردوخ) أي إله النور وقد انتقلت تقاليد الاحتفال بهذا العيد إلى الشام مع انتقال الميراث السومري.
البداية هي مع تموز (أدونيس وعشتار): أدونيس (باليونانية: Αδωνις) هو أحد ألقاب الآلهة في اللغة العربية اللهجة الكنعانية – الفينيقية، فالكلمة أدون تحمل معنى سيد أو إله بالكنعانية مضاف إليها السين (التذكير باليونانية). وهو معشوق الإلهة عشتار انتقلت أسطورة أدونيس من الحضارة والثقافة العربية الكنعانية للثقافة اليونانية القديمة وحبيبته صارت أفروديت. يجسد الربيع والإخصاب لدى الكنعانيين والإغريق. وكان يصور كشاب رائع الجمال.
أسطورة أدونيس * يوجد الكثير من الأساطير السورية والإغريقية والكثير من الروايات المتعلقة ب ” أدو نيس ” … خصوصا أن الإلهة “عشتار الفينيقية ” هي نفسها التي أصبحت الإلهة ” أفروديت الإغريقية ” بعد أن أخذ اليونان عبادة ” عشتار ” من السوريين الذين أنشأوا جزيرة قبرص وأسسوا فيها عبادة ” عشتار ” وكانت هذه الجزيرة مرتبطة مباشرة ب ” بيبلوس ” الكنعانية في لبنان ……
أما ” أدونيس “: فهو الإله “حدد ” والإله ” آدون ” والإله ” تموز الأخضر ” عند السوريين وبلاد ما بين النهرين …والذي حوله الإغريق إلى ” أدونيس ” ……..* وهو ” النعمان ” الذي مازال في لغتنا العربية وبعض اللغات الغربية ويطلق على الوردة البرية القانية اللون/ التي تخرج من الأرض مع الربيع …
ويسميها العرب شقائق النعمان أي جراح النعمان (أدونيس)……وفي اللغة الانكليزية تسمى الوردة ب ” أنيمون ” Anemone المشتقة من النعمان. فما يزال في ” عقولنا “…. بقية من المعتقدات القديمة، بأن هذه الوردة الربيعية قد نبتت من دم أدونيس القتيل
وهي تحمل لونه إلى الأبد….. ففي عيد الفصح الذي يتطابق توقيته تقريبا مع توقيت ” الآدونيا الربيعي ” يتم الاحتفال بموت السيد المسيح في اليوم الأول يوم الجمعة الحزينة وبعثه في اليوم الثالث يوم أحد الفصح وتقوم النساء في ايطاليا قبل عيد الفصح بإعداد حدائق أدونيس بنفس الطريقة التي اتبعتها نساء العرب الكنعانيين والبابليين قبل آلاف السنين …… ففي بعض مرثيات الطوائف المسيحية نجد السيدة مريم تندب ابنها المسيح:
هو ذا أجمل المخلوقات صار جثة
من أعطى رونق الطبيعة وجمال الكون
يا ربيعي الحلو، يا طفلي الجميل…….
كل الأشياء تبكي معي …أنا أم الإله
وبنفس المعنى والفكرة ولكن ……… قبل آلاف السنين من مولد المسيح نجد / طقوس البكاء على ” تموز ” ” أدونيس ” “آيلينوس “…. / فتقول عشتار في ندبها:
آيلينوس …. ويلي عليك يا ولدي …
ويلي عليك يا دامو ……
كل الأشياء تبكي معي …..
وفي إحدى الروايات الإغريقية الأخرى : أن الإلهة.. أم الإله ” أدونيس “قد حولت نفسها إلى شجرة عندما حملت به ثم ولدته وهي بهذه الحال فأتى طفلا جميلا فأحبته الإلهة ” أفروديت- عشتار” ..وقد استمرت.. ” طقوس البكاء ” …على أدونيس ” تموز ” أو ” أدون ” …..إلى فترة ما بعد ظهور الشريعة المحمدية بفترة طويلة ….و….ما يزال في ” عقولنا “…. بقية من المعتقدات القديمة……….من خلال أعياد ربيعية فولكلورية قائمة حتى الآن في سوريا مثلا و…..وفي الشرق الأدنى …كالنيروز ” أول الربيع “
و إحدى الروايات الإغريقية تقول : كان” أدونيس ” شابا يافعا مولعا بالصيد , تقع في حبه ” أفروديت أو عشتار “وتقضي وقتها في قلق عليه من مخاطر هوايته ومحاولة دفعه للإقلاع عنها .. إلى أن جاء يوم صرعه فيه خنزير بري في جبل لبنان ..قرب منبع النهر الذي سمي فيما بعد باسمه .. ففاض دمه ملونا مياه النهر بالأحمر القاني … وانبثقت من قطرات دمه المتساقطة على التراب أزهار شقائق النعمان الحمراء … وفي كل عام يأتي أدونيس إلى المكان نفسه في الربيع وتفيض دماؤه فتصبغ المياه نفسها المتدفقة من بين الصخور الجبلية . وما تزال حتى الآن بقايا معبد عشتار عند نبع أدونيس الذي هو نهر إبراهيم اليوم ..قرب قرية ” أفقا ” اللبنانية….. ويوجد نصب صخري يصور مصرع أدونيس و الاستسلام للموت وقربه عشتار بوضع المستسلمة للمصير و القدر.. « حضارة وادي الرافدين . وفي منطقة الفرات الأوسط: في سومر وبابل وفي نينوى لحوالي أكثر من ثلاثة آلاف سنة حتى انتشار المسيحية. لقد سماه العرب السومريون{زكموك} .

بحث من عشرة أجزاء ننشر هنا الجزء الثالث منه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *