فلسفة التفاعل: أسس سعادة، بناءً على معطيات العلم والفكر، رؤيةً جديدة لإنقاذ العالم من تخبّطه
التفاعل عند سعاده لا يكون تفاعلاً حقيقياً إذا لم يكن تفاعلاً توحيدياً في معركة الصراع من أجل البقاء والارتقاء. إنه تفاعل طبيعي تعاوني موحد ضمن الأمة التي حققت وحدة مجتمعها بعد زوال جميع أشكال التجزئة والاستغلال. وهو أيضاً تفاعل طبيعي تعاوني موحّد بين جميع الأمم على أساس احترامٍ متبادل لمبدأي الحرية والسيادة القوميتين بعد زوال الإمبريالية والتخلف، وكل نزعة استعمارية استغلالية توسعية.
يعتمد سعاده الصراع الذي تمليه ضرورات التحرر القومي الاجتماعي من الاستعمار وأدواته وأشكاله المختلفة، ومن القوى الاجتماعية الداخلية المتحالفة، ضمناً أو علناً، مع قوى الاستعمار المضادة لمصلحة الشعب والدولة القومية.. إنه صراع قومي من أجل تحرر الوطن من جميع أشكال الإمبريالية والاستعمار والسيطرة، ومن أجل وحدة الوطن، وإلغاء جميع أشكال التجزئة.. وهو صراع اجتماعي من أجل تحرير المواطن من الاستغلال والظلم والقهر، ومن أجل وحدة الشعب بعد إزالة جميع أشكال التجزئة والتفرقة والانقسام.
إن هذا المفهوم للتفاعل يشكّل نظرة سعاده إلى تطور الاجتماع الإنساني، أما نهجه في تحليل جميع الظاهرات والبنى، فسنحصرها في ثلاثة مستويات:
التفاعل بين الأساس المادي والبناء الروحي (المدرحية)، التفاعل بين الإنسان والمجتمع (الإنسان ـ المجتمع)، والتفاعل بين الجماعة والبيئـة (الأمة).
يرى سعاده أن بنية الوجود الاجتماعي الإنساني مركّبة من عاملين متفاعلين يسميهما الأساس المادي والبناء النفسي، وقد عبّر عنهما بكلمة واحدة: المدرحية.
الأساس المادي: هو مكونات وعناصر البيئة الطبيعية الضرورية لسدّ حاجات المجتمع المادية والنفسية، مباشرةً أو مداورةً، بالعمل المباشر أو بالواسطة.. فالبيئة الطبيعية هي البيئة التي تقوم عليها جملة السلوكيات والتصرفات والعلاقات الاقتصادية التي تدخل في أساس الروابط الاجتماعية. يقول سعادة: «الرابطة الاقتصادية هي الرابطة الاجتماعية الأولى في حياة الإنسان أو الأساس المادي الذي يقيم الإنسان عليه عمرانه، فلا نستطيع أن نتصوّر مجتمعاً يقوم على غير أساس التعاون الاقتصادي لسدّ الحاجة…». «الاقتصاد هو نقطة الابتداء في بحث حالات الاجتماع. حتى أننا نرى الحالة الاقتصادية تؤثر على الحالة البيولوجية أحياناً. والتطور الاجتماعي هو دائماً على نسبة التطور الاقتصادي…». «ولسنا نقصد بالضرورة الاقتصادية أن الاقتصاد هو أساس أو مرجع جميع المظاهر الاجتماعية، فلا نزعم أن الاقتصاد هو الدافع إلى الحب والزواج والعناية بالبنين أو أنه الباعث على محبة الموسيقى، ولكننا نزعم أنه لا يكاد يعقد الزواج حتى يدخل العامل الاقتصادي أساساً لكيانه وبقائه، وأن محبة الموسيقى من حيث هي مظهر اجتماعي، تبقى عقيمةً أو أوليةً دون الأساس الاقتصادي، ولا يمكن الفصل عملياً بين الحياة ومقوماتها…». «إذا كانت الرابطة الاقتصادية أساس الرابطة الاجتماعية البشريـة، فالعمل ونظامه التعاوني مصدر نظام الاجتماع وأساس بناء المجتمع.»
إن سعاده لا ينظر إلى الاقتصاد على أنه باعث للحياة، بل هو أحد مقوّمات الحياة وليس كلّها. ولهذا، فهو لا يقول بالتحتيم الاقتصادي المطلق للبناء الاجتماعي، بل الترابط الحياتي، والتناسب بين التطور الاجتماعي والتطور الاقتصادي. فالحالة الاقتصادية، على أهميتها الأساسية، هي جزء من الحالة الاجتماعية العامة، تؤثر فيها وتتأثر بها من ضمن العلاقة التفاعلية وعلى درجتها. “
البناء النفسي: هو مجموعة الثقافات، والقيم، والمعارف، والاتجاهات الوجدانية والفكرية، والتصرفات والعلاقات التي تتعيّن بها صورة الاجتماع وحيويته الذاتية ومستوياته في الظهور. وهي تتشكّل من خلال صيرورة المجتمع ونشأته التفاعلية مع محيطه الطبيعي، وتتمثل في كيفية تنظيم التعاون الاقتصادي، وفي نظام الأخلاق والشرائع، وفي الاعتقادات، والعلوم، والفلسفات، والفنون. ولكل جماعة أو مجتمع بناء نفسي خاص به، يعبر عن حاجاته ونزعاته وتطلعاته، وفيه مخزون خبراته وتجاربه وتالياً، استعداداته ومؤهلاته وإمكاناته التي تشكلت في سياق التطور التاريخي العام. وغالباً ما يختصر سعاده هذا كله بعبارة الحياة النفسية أو الحياة العقلية، ويتوسع على نحوٍ خاص، في تحليل تطور الدولة التي هي من أهم مظاهر البناء النفسي في الاجتماع البشري.
وفي كتابه «نشوء الأمم» يناقش سعاده تطور مفهوم الدولة، ويرهن ارتقاءها بارتقاء الحاجات المادية النفسية.. ومن هذا المنطلق يرفض الدولة عندما تتحوّل إلى مجرد سلطةٍ أو «إرادةٍ خصوصية تفرض نفسها على المجموع الذي تشمله»، وهو مع الدولة عندما تصبح «النظامَ والهيئة الممثلين لإرادة الأمة». وعلى كل حال، لا يعتبر سعاده «الدولة وحكومتها مظهرين اجتماعيين نهائيين»، ولا ينظر إليهما على أنهما مظاهر مطلقة قائمة في ذاتها، «بل تقومان على ما هو أعمق منهما، على حياة المتّحد وإرادته».. ولذلك لا ينفي إمكانية تطورهما في أشكال وصيغ سياسية حقوقية عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، كما يطرح إمكانية إلغائهما في المستقبل عندما تتوافر الشروط اللازمة.
هذا هو مفهوم سعاده للأساس المادي والبناء النفسي، وإلى اعتماد هذه النظرة المتقدمة في إنسانيتها دعا العالم «إننا ندعو الأمم إلى ترك عقيدة تفسير التطور الإنساني بالمبدأ الروحي وحده، وعقيدة تفسيره من الجهة الأخرى بالمبدأ المادي وحده، وإلى التسليم معنا بأن أساس الارتقاء الإنساني هو أساس مدرحي، وأن الإنسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس، وتشيد صرح مستقبلها عليه. “
إن فلسفة سعاده ليست توفيقيةً، ولا ثنائيةً، ولا وسطيةً، بل هي فلسفة وحدوية الأبعاد، تعبّر عن الوجود الإنساني، كما هو في طبيعته. ويرى سعاده أن التلاحم المتين بين الوعي (العقل والوجدان) وظواهر الوجود المادي هو دليل عملي على وحدة الفكر والواقع.. ولذلك، فالمدرحية هي وحدة المادة ـ الروح في تفاعلٍ واحدٍ متماسكٍ متجانسٍ.
وفي واقع الأمر، فإن الذين يقولون بتطور الاجتماع الإنساني على أساس الفلسفة المادية لم يتمكنوا من تجاهل الفاعلية الروحية المتمثلة في الوعي، والعقيدة والظاهرات النفسية، والذين يقولون بتطوير الاجتماع الإنساني على أساس الفلسفة الروحية لا يستغنون عن المادة والفاعلية المادية المتمثلة في وسائل الإنتاج، والتكنولوجيا، وسائر الظاهرات المادية في الاجتماع الإنساني. أما المدرحية فتنطلق من الاعتراف بهذا الواقع الطبيعي، ومن العلاقة التفاعلية القائمة بين المادة والروح، وترك النظرة الأحادية إلى الاجتماع الإنساني.
إن المدرحية في تجاوزها الأسس الميتافيزيقية والأنطولوجية للكائن الإنساني تنقض المذاهب الفكرية المثالية ماديةً كانت أم روحيةً. إذ يرى سعاده أن مجال المدرحية لا يشمل الماورائيات وهي تاليا لا تجيب عن الأسئلة التي تثيرها ثنائية المادي والروحي، كما أن المدرحية توجه نقداً صريحاً للفلسفات الأحادية التي لا ترى في الوجود بأسره إلاّ المادة وأشكالها أو الروح وأشكالها. وهي تتجاوز السؤال الفلسفي التقليدي المحكوم بمنطق أسبقية المادة أو الروح إلى سؤال بديل يجعل من وجود الإنسان شرطاً أساسياً لفهم ظواهر الوجود المادية والروحية.
إن الاتجاه الحقيقي للمدرحية يبدأ من البحث في اجتماع الإنسان وأشكالها، وتعيين مسار التفاعل بين المادي والروحي في إطار الوجود الإنساني والحياة الاجتماعية. المدرحية تترك حرية المعتقد بالنسبة للأسئلة والمعضلات المطروحة ما قبل وما بعد الوجود والتي تدخل في إطار ومجال الماورائيات. وبهذا المعنى، المدرحية هي فلسفة اجتماعية وليست فلسفةً ميتافيزيقيةً.. تعنى أولاً بالوجود المجتمعي وهذا ما يقودنا إلى دراسة التفاعل بين الإنسان والمجتمع، ونظرة سعاده إلى الإنسان ـ المجتمع
سركيس أبو زيد

