كيف تنهض الأمم بعد عصورٍ من التراجع والتفكك والانحطاط؟ وكيف تنتقل من الضعف إلى القوة، ومن الفوضى إلى النظام، ومن اليأس إلى الثقة والإيمان بالمستقبل؟
كان أنطون سعاده يرى أنّ النَّهضةَ لا تحصلُ بالإصلاحِ الشكليّ أو التّرقيعِ أو المساومةِ على أسبابِ الفساد، بل بالإصلاحِ الحقيقيّ: إصلاحِ النُّفوسِ وإنقاذِ المجتمعِ من انحطاطِه وتفكُّكِه. فالنَّهضةُ لا تبدأُ من تبديلِ الحكوماتِ ورجالاتِها، ولا من تغييرِ القوانينِ وحدَها، بل من تغييرِ حالةِ الأمّةِ النَّفسيّةِ والمناقبيّة، ومن الخروجِ من التفسُّخِ والتضاربِ والشَّكّ إلى الوضوحِ، والجلاءِ، والثقةِ واليقين.«[1] ولأنّ النَّهضةَ عند سعاده هي عمليّةُ بعثٍ وتجديد، فقد ارتبطت في نظرِه بولادةِ «الإنسانِ الجديد» والجيل الجديد» القادرِ على حملِ رسالةِ التغيير.
النَّهضةُ، باختصار، تبدأُ من بناءِ النُّفوسِ بناءً جديداً في العقيدةِ الصحيحة. إنّها تبدأُ من الإنسانِ نفسِه. فالإنسانُ الجديدُ هو صانعُ المجتمعِ الجديد، وهو حاملُ الفكرِ الخلّاق، وهو القوّةُ التي تبني التاريخَ أو تتركُه ينهار. ولذلك كانت قضيّةُ النَّهضة، في جوهرِها، قضيّةَ بناءِ إنسانٍ جديدٍ يحملُ نظرةً جديدةً إلى الحياة، ويجعلُ من عملِه وإنتاجِه وإبداعِه وسيلةً لخيرِ أمّتِه ورقيِّها وتقدُّمِها.
ولكن من أين يبدأ هذا التحوّل؟ وأيُّ فئة تستطيع أن تحمل أعباءه؟
كان جواب سعاده واضحاً: من الشباب.
ومن الطبيعي أن يكون الشباب، بما يمثلونه من حيوية واستعدادٍ للتجدّد، في طليعة القوى القادرة على حمل هذا التغيير. ولهذا احتلّوا مكانةً خاصة في فكره وخطابه. ففي مقالاته وخطبه تتكرر الإشارة إليهم بوصفهم «النفوس الجديدة» القادرة على التحرر من أثقال الماضي، والانطلاق نحو آفاقٍ أرحب من العمل والإبداع والالتزام.
غير أن سعاده لم ينظر إلى الشباب بوصفهم مجرد فئة عمرية، بل بوصفهم حالةً روحية وفكرية. فالجيل الجديد عنده ليس من وُلد في زمنٍ معيّن، بل من امتلك فكراً جديداً وإرادةً جديدة ونظرةً جديدة إلى الحياة.
وفي افتتاحية جريدة «الجيل الجديد» سنة 1948 كتب يقول:
«ينهض في بلادنا اليوم جيل جديد من الناس له إلى الحياة والكون والفن نظرة فيها فكر جديد وشعور جديد.»[2]
ثم يضيف واصفاً رسالة هذا الجيل:
«إنه جيل جبار مهمته العظمى: رفع الحياة وفهم الكون وإنشاء الفن وتغيير وجه التاريخ.»[3]
ليست هذه كلمات مديح للشباب، بل إعلان عن مهمة تاريخية. فالأمم لا تتجدد تلقائياً، والمستقبل لا يولد من تلقاء نفسه، بل تصنعه أجيال تؤمن بقضيةٍ أكبر من مصالحها الفردية، وتقرر أن تنتقل بالمجتمع من واقعٍ قائم إلى واقعٍ أفضل.
ولهذا رأى سعاده أن المشكلة الكبرى التي تواجه المجتمع ليست مشكلة أشخاص، بل مشكلة اتجاهاتٍ ونفسيات. ففي المقال نفسه يقول: «إنّ المشكلة العظيمة التي تواجهها الأمة هي مشكلة اختلاف حياتين وصراع جيلين.»[4]
فالجيل القديم، في وصفه، يريد استمرار حياة الخوف والتردد والتسليم والعيش في ظلال الماضي. أما الجيل الجديد فيمثل إرادة الحياة الجديدة، ويرى الحياة «إخلاصاً وشجاعة وصراحة وصدقاً، ونصحاً، وإقداماً وإباء.»[5]
ومن هنا نفهم لماذا راهن سعاده على الطلبة والشباب منذ البدايات الأولى للنهضة. فقد وجد فيهم القوة الأكثر استعداداً لتقبّل الأفكار الجديدة، والأكثر قدرة على التحرر من العصبيات والأوهام والمخاوف التي كبّلت المجتمع طويلاً. ولم يكن هذا الرهان عابراً أو ظرفياً، بل نابعاً من اقتناعٍ راسخ بدورهم التاريخي. ففي خطابه إلى الطلبة القوميين الاجتماعيين في الجامعة الأميركية في بيروت (16 أيار 1949) أكّد أنّ:
«الطلاب يكونون دائماً نقطة انطلاق وارتكاز في العمل القومي الاجتماعي.»[6]
ولذلك نظر إليهم بوصفهم القوة التي تحمل الفكر الجديد إلى المجتمع، وتحوّل العقيدة من فكرة إلى حركة، ومن حركة إلى نهضة عامة. من هنا نفهم لماذا أولى سعاده أهمية خاصة للطلبة والشباب. فقد رأى فيهم الفئة الأكثر استعداداً للتحرر من الرواسب الفكرية والنفسية التي تراكمت عبر أجيال طويلة من الانحطاط والتجزئة وفقدان الثقة بالنفس.
وفي مقال «نهضة سورية وسط الجوع والنار» يصف أحد أهم إنجازات النهضة بقوله إنها:«هيأت النفس السورية بإيجاد الوجدان القومي العام وبتحويل الشبيبة السورية من قوة استمرارية لعهد قديم إلى قوة دافعة لعهد جديد.»[7]
ولعل هذه العبارة تختصر نظرة سعاده إلى الشباب أكثر من أي عبارة أخرى. فهو لا يريدهم مجرد ورثة للماضي، بل بناةً للمستقبل. ولا يريدهم قوةً مستكينة تحفظ ما هو قائم، بل قوةً فاعلة تنفض عنها غبار الخمول وتدفع المجتمع نحو ما ينبغي أن يكون.
لكن سعاده كان يدرك أيضاً أن الحماسة وحدها لا تكفي. فالشباب الذين يفتقرون إلى الوعي قد يتحولون إلى قوةٍ مهدورة، أو إلى أداة في مشاريع لا تخدم مجتمعهم. أما الشباب الذين يمتلكون فهماً واضحاً لقضيتهم ولموقعهم في الحياة، فإنهم يصبحون قوةً تاريخية قادرة على إحداث التحول.
ولهذا لم يكتفِ بدعوتهم إلى العمل، بل عمل على تثقيفهم وتوجيههم وإعدادهم. فقد رأى فيهم النواة التي يمكن أن تنقل الفكر النهضوي إلى المجتمع الأوسع، وأن تساهم في بناء جيلٍ جديد لا يكتفي بانتقاد الواقع، بل يعمل على تغييره.
لقد كان سعاده يؤمن بأن كل نهضة حقيقية تبدأ في النفوس قبل أن تظهر في المؤسسات، وأن كل مستقبلٍ عظيم يبدأ بفكرة، ثم بإرادة تؤمن بها، ثم بجيل يحملها إلى الحياة.
ومن هنا جاءت ثقته بالشباب. لم يخاطبهم بوصفهم أبناء الحاضر فقط، بل بوصفهم صانعي الغد.
فمن الشباب يبدأ التغيير، ومن وعيهم تتكوّن الإرادة، ومن إرادتهم يولد المستقبل.
ولهذا تبقى دعوته إلى «الجيل الجديد» أكثر من مجرد خطاب لمرحلة تاريخية مضت؛ إنها دعوة متجددة لكل جيل يرفض الاستسلام للواقع، ويؤمن بأن الأمة تستطيع أن تنهض متى وجدت النفوس المؤمنة بحقيقتها ورسالتها ومصيرها.
[1] أنطون سعاده، المحاضرات العشر 1948، ط. 1976، بيروت، ص 16.
[2] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948 – 1949، الـجيل الـجديد، بيروت، العدد 1، 3 – 4/4/1948.
[3] المرجع ذاته.
[4] المرجع ذاته.
[5] المرجع ذاته.
[6] الأعمال الكاملة، المجلد الثامن، خطاب الزعيم في الطلبة القوميين في الجامعة الأميركية في 16 أيار 1949.
[7] الأعمال الكاملة، المجلد الرابع 1940-1941، نهضة سورية وسط الجوع والنار، الزوبعة، بوينس آيرس، العدد 17، 1/4/1941.

