»الْمُجْتَمَع الَّذِي لَا يَسْمَحُ بتعدّد الْآرَاء
والبدائل، فَهُو مُجْتَمَع مُغْلَقٌ«
أدونيس
لطالما أرّقني سؤال محيّر جدًّا تشكّل نسقه الفلسفي حول: هل أزمتنا في إقليم سورية الطبيعية هي أزمة هوية أم وجود أم ذاتية؟ أو على الأقل تبسيطًا للمسكوت عنه في السؤال: هل صراعنا الأبدي هو إثبات لانتمائنا الحضاريّ وتكويننا الاجتماعيّ وأصولنا التاريخية أم أنه علامة حضارية استوعبت التغيرات التاريخية لإثبات الذات أمام الآخر؟
بمعنى أن العنصر «الأقلويّ» الذي يناضل من أجل مشروعه الطائفي/ العرقي/ والثقافي، وهو مسكون بأوهام القبيلة والعشيرة والطائفة، ليس إلا كائنًا يبحث عن «هويّته» أو إنسانًا يريد تحقيق نموذجه الهويّاتي. وهذا ينطلي على القومي العروبي الذي يشرعن لانتمائه الجيني والعروبي من خلال رسم حدود الدولة الوطنية وهندستها بتشكُل توليتاري شمولي بالموازاة مع عنف السلطة والدولة؟
لا شكّ أن الصراعات الدائرة في مجتمعنا، تبدو في جوهرها صراعات من أجل عدم قبول المختلف، وتمزيق عرى التفاعل المشترك معه، وما يجري في واقعنا الآن من حديث مثلاً عن الفدراليات الطائفية، وقبول الكثيرين، تحت دعوى الواقعية، بهذه الفدراليات، وأنه لا مجال لوحدة الحياة المشتركة بين السوريين بسبب المشكلات الطائفية والإثنية العميقة، كلها تتجاهل حقيقة أن الجذر الدافع لهذه الدعوى هو عدم القبول بالمختلف.
هي دعاوى مبنية على سوء ظنّ كبير بالآخر، ولكن المشكلة الأعمق أن هذا الآخر ليس جهة ثابتة ودائمة. إنه جهة تتحوّل وتتغيّر حسب الظروف والمتغيرات العامة. والبحث عن جماعة جوهرية نقية ومتوحدة ومتطابقة يمكن أن تؤسس عليها كيانًا او نظامًا سياسيًّا معينًا هو وهم هائل، بل هو من أكبر الأوهام البشرية، والتي جرت تحتها جملة من أفدح الجرائم الإنسانية عبر التاريخ.
وبحسب الباحث في النظرية السوسيولوجية المعاصرة الدكتور «حسام الدين فياض» فإنّ مفهوم «الآخر» من المفاهيم المركزية في علم الاجتماع والفكر الإنساني المعاصر، إذ يشكّل مدخلاً لفهم آليات التمايز الاجتماعي وبناء الهوية. فالآخر ليس مجرد شخص أو جماعة مختلفة، بل هو نتاج لعمليات اجتماعية وثقافية ورمزية تحدّد من نحن في مقابل من لسنا نحن.
في ضوء ذلك يصبح الاختلاف ليس نقيضًا للهوية، بل شرطًا لوجودها، لأن الاعتراف بالآخر المختلف هو ما يمنح الذات إمكانية الوجود الأخلاقي والاجتماعي. ولكن ماذا تعني الهوية هنا؟ هل هي مفهوم ثقافي أم أنثروبولوجي، أم هي مجال لغوي أو إثني أو مذهبي؟ وهل أصبحت متماهية مع عُصاب الجماعات، ما يجعلها هويات قاتلة أو مقتولة؟
تفكيك التساؤلات
لا يمكن النظر إلى الهوية كبضاعة جاهزة، بل هي تجربة مجتمعية خاضعة لصيرورة وحدة الحياة بين الذات والآخر، وعلينا قبل ذلك تفكيك التساؤلات الإشكالية العميقة لنعيد صياغة فهمنا لسلوك السلطة السياسي، وهي: كيف تُصنع الهويات الفرعية، وكيف تولد السلطة من رحم الخيال الجماهيري الكارثي، وكيف تتحكّم الثقافة في أشد صراعاتنا دموية وتعقيدًا؟
كيف يتم تنظيم الجماعات وتعبئتها سياسيًّا؟ … وهل الذات الثقافية تضع «الحدود» بين من هو «نحن» ومن هو «هم الآخر»؟
هل تُصنع قراراتنا السياسية بناءً على حسابات عقلانية ومصالح مجردة، أم أن هناك شيفرة ثقافية ونفسية عميقة تحركنا دون وعي منّا؟ ولماذا نشعر بسخط أخلاقي مدمّر إذا حاول أحدهم شراء أصوات انتخابية بالمال، في حين نتقبل شراء السلع في السوق ببرود؟
وكيف يمكن لعلم النفس أن يدّعي الشمولية والموضوعية إذا كان يتجاهل السياق الثقافيّ الذي ينمو فيه الإنسان/ المجتمع؟
إنّ المجتمعات ليست مدعوّة للاعتراف بالتنوّع الثقافي فقط بل عليها أيضا دعمه وتعزيزه وصولاً إلى «التخلّص من المحرّمات» تكريسًا لمفهوم وحدة الحياة.
وهكذا يؤكّد لنا الباحث «فياض» أنّ «الآخر ليس مجرد انعكاس للذات، بل هو المرآة التي تكشف حدود فهمنا للهوية، ومفتاح إدراكنا للعدالة المجتمعية، والتعايش، والاعتراف المتبادل في المجتمع». لأنّ الدول والمجتمعات التي تتعامل مع التنوّع كميزة وليس كعبء تحقّق مستويات أعلى من الإدماج والاستقرار.
النقد السوسيولوجي للمجتمع
إنّ اعتقاد الجماعات الطائفية والمذهبية والإثنية بأنّ انفصالهم عن بعضهم بعضًا سيحلّ المشكلات التي يعانون منها هو وهم هائل، فالانفصال سيحكم علينا جميعًا بمصير الضعف والانسحاب من ساحة الفعل التاريخي في المنطقة الى أبد الآبدين، وهنا تأتي أهمية النقد السوسيولوجي لواقع المجتمعات. وفي هذا الخصوص يخبرنا الفيلسوف ناصيف نصّار في كتابه (نحو مجتمع جديد: مقدّمات أساسيّة في نقد المجتمع الطائفيّ) بأنّ «النقد السوسيولوجي للمجتمع الطائفي هو الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى تخطّي الطائفية السياسية الاجتماعية بصورة شاملة. فالنقد من الزاوية الدستورية الشرعية يكشف عن التناقضات بين القوانين والدستور أو بين القوانين وتطوّر الواقع الاجتماعي وينتهي عادة إلى المطالبة بالعلمانية لصيانة حقوق المواطن الأساسية من عدالة وحرية ومساواة».
إنّ بارانويا الاختلاف، أو الارتياب من المختلف، ستستمر بالفعل في إفراز هرموناتها السامّة بأرواحنا وعقولنا، وستبحث الجماعات داخل هويّاتها الذاتية عن المختلفين لتصفيتهم وطردهم، ثم يبحث المتشابهون لاحقًا عن مختلف آخر وهكذا.
البشرية في واقع الحال تتقدّم بقدر ما تستوعب الاختلاف والمختلف وتدمجه في حركتها العامة. وهذا هو الدرس الذي لا يبدو أنّ مجتمعاتنا تفهمه بشكل جيد.
ولكن ما تقدم يشير وكأننا أمام نمط من التسوّل داخل أروقة تاريخ الأنساب لإثبات عقيم للذات.
لم أفهم هذا التماهي المنسحب إلّا بعدما قرأت مقالاً للفيلسوف فتحي المسكيني «فشل الحوار بين الهويات. أو هل نحن هوية بلا ذات؟»، «إنّنا أحيانًا ننتصر للجينات والبيولوجيا وروابط الدم التقليدية على حساب مشاريعنا الثقافية والدينية والعلمية». أي البحث عن الماهية عن الجذور والجنيالوجيا الأولى وفق مشاريع انسحابية من التراث المعلن وأحيانًا المفلس. ربما تفطّن «المسكيني» بحسّه الفلسفي وجروحه المدنية والثقافية لبعض أسباب البلاء والأوجاع المستعصية وجوديًّا في سبيل بناء دزاين عربي على شاكلة الدزاين «الهيدغيري»، لكن في غياب بلسم حضاري وجودي وتحت حالة تراجع كلّيّ للوعي الجماعي.
لم نصل بعد لدرجة الشعب الواحد لأسباب عديدة، ولم نُؤسّس لمفهوم الحرية فلسفيًّا وكونيًّا وثقافيًّا بعد. ويرى المسكيني في كتابه (الهجرة إلى الإنسانية) إلى «أنّ الحرية رهان معياري نظري لم يؤهّلنا بعد إلى دخول فضاء التحرّر لأنّ كلّ المفاهيم النظرية حول مجتمع الحرية والمعرفة والتقنية هي أوهام وترف فكري نتسلّى به فقط»، وبطبيعة الحال فإن الحقل الذي لطالما عُرفت فيه الحرية، ليس كمشكلة بالطبع، ولكن كحقيقة من حقائق الحياة اليومية، هو المجال السياسي. وبحسب الفيلسوفة الألمانية «حنة أردنت»، فإن هذه الحرية «قبل أن تصبح سمة للفكر أو صفة للإرادة، كانت تُفهم على أنها حالة الإنسان الحرّ» في تفاعله الفردي مع الحياة.
الرابطة الثقافية
غالبًا ما تستخدم الجماعات المؤسّسات الثقافية (كالدين والروابط القبلية) لتحقيق غايات سياسية بحتة، حينما تكون القنوات السياسية الرسمية مغلقة في وجهها، ممّا يحوّل الدين والطقوس إلى أداة للتعبئة وإضفاء الشرعية على السلطة.
فالثقافة في تحديدها لـ «الأولوية السياسية»؛ أي القضايا التي تستحقّ أن نُقتل من أجلها، تقدّم إطارًا نفسيًّا لتفسير نوايا «الآخر». فعندما تتنازع الثقافات، تلجأ الجماعات إلى «التمحور الطائفي/ العرقي»، حيث يتمّ تعزيز الروابط داخل الجماعة عبر طقوس وأساطير مشتركة، وتتمّ شيطنة الجماعات الخارجية.
ولكن، هل النموّ المعرفي متعلّق بالثقافة؟ وكيف يمكن لعلم النفس أن يدّعي الشمولية والموضوعية إذا كان يتجاهل السياق الثقافي الذي ينمو فيه المجتمع؟ وهذا تساؤل إبستيمولوجي عميق.
لطالما تعامل العديد من علماء النفس مع الثقافة على أنّها مجرّد «مظهر فولكلوري» أو عنصر هامشي يمكن إقصاؤه للوصول إلى قوانين كونية مجردة تحكم سلوك المجتمع. ولكن هنا علينا أن نُحدث قطيعة معرفية مع هذا الطرح، فالثقافة ليست مجرد غلاف خارجي، بل هي المكوّن الأساسي والضروري للتنمية المعرفية والعاطفية والاجتماعية لكلّ مجتمع إنساني.

