اقام النادي السوري الكندي الثقافي في تورنتو، كندا ندوة ثقافية بعنوان «الحرب الإسرائيلية على فلسطين ولبنان: الخلفية والاهداف» حاضر فيها الدكتور خريستو المر، أستاذ المعلوماتية الصحية في جامعة يورك، والاستاذة يارا الشوفاني رئيسة الجمعية الكندية للسلام والعدالة في الشرق الأوسط.
كلمة النادي السوري الكندي الثقافي
افتتحت الندوة بكلمة النادي السوري الثقافي القاها رئيس النادي راجي سعد. بعد الترحيب بالحضور والمحاضرين طرح سعد تساؤلات مشروعة تدور في الأذهان حول مدى جدوى الاحتجاج، والتعبئة، ورفع الأصوات والتعبير عن الآراء في ظل عالم تحكمه شريعة الغاب، وما إذا كان النضال من أجل الحقوق والحرية قد أصبح مضيعة للوقت والجهد، مؤكداً على ضرورة فهم دوافع وأساليب الطرف الآخر للإجابة على هذه التساؤلات والتي منها كيفية استخدام وسائل الإعلام للتلاعب بالرأي العام لتمرير الرواية الإسرائيلية وتبرير التمييز والتطهير العرقي والإبادة الجماعية.
بعد ذلك أكد سعد أن المخططات والمؤامرات المعادية تغافلت عن التاريخ العريق لشعوب بلاد الشام والعراق، وإسهاماتهم الحضارية الأولى كابتكار الزراعة واختراع الأبجدية وتجاهلوا تاريخ شعوب فلسطين، ولبنان، وسوريا وقدرتها على النهوض كطائر «الفينيق» من وسط الدمار والغزوات، معلناً ان هـذا الشعب لن يسمح بسيطرة نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، وسيظل متمسك بطريق الحرية والمساواة.
في الختام بيّن سعد أن الغاية من هذه الندوة هو إثراء العقول بالحقائق وفهم الدوافع والاهداف الحقيقية لدولة الفصل العنصري الوحيدة المتبقية في العالم، موجها دعوة لأبناء الجالية العربية في تورنتو للاتحاد والتكاتف من أجل رفع مستوى الوعي وحشد الدعم الحكومي للقضية وتقديم المساعدة لأبناء الوطن لتمكينهم من الصمود.
محاضرة د. خريستو المر
ابتدا د. خريستو المر محاضرته بتحليل جذور الاستعمار وامتداده الصهيوني فعرّف الاستعمار كنظام عالمي مستدام قام على العنف الممنهج ونهب الموارد، مستشهداً بجرائم في الكونغو والجزائر والهند، وشرح أن ما يحدث في لبنان وفلسطين اليوم هو امتداد مباشر للمشروع الصهيوني الاستعماري القائم على التوسع والإبادة منذ عام 1948. بعد ذلك تكلم المحاضر عن حركة المقاومة لهذا المشروع في لبنان التي اثبتت انه رغم تفوق القوة العسكرية والتكنولوجية الإسرائيلية فهي لم تستطع فرض سيطرة طويلة الأمد على الشعب المقاوم في جنوب لبنان، ففي 2000 و2006 طردت المقاومة المحتل وفي المواجهة الأخيرة لم تستطع اسرائيل التوغل أكثر من 3 كلم او تثبيت احتلالها. هذا يدل على ان المقاومة فعلت في الماضي وما زالت تفعل ولا يعود الفضل في ذلك الى قوتها العسكرية فقط، بل الى تراكم المعرفة والتأييد المجتمعي المحلي وشبكة العلاقات الإقليمية.
ونبه المحاضر ان المقاومة العسكرية وحدها لا تكفي فانعدام التماسك المجتمعي اللبناني ككل وانعدام الصلابة الاقتصادية تجعل المقاومة المستدامة مقيدة بشدة، فالصمود يحتاج الى دعم اجتماعي واقتصادي ومؤسساتي. تابع د. خريستو ان هذا يقودنا الى موضوع الطائفية والنظام الطائفي في لبنان الذي هو أداة استعمارية كرسها الانتداب الفرنسي وتستفيد منها إسرائيل والقوى الخارجية باستمرار الانقسام ومنع تشكل مشروع وطني موحد. يستنتج بعدها المحاضر ان هذا يجعل الصراع ضد الطائفية جزء من الصراع على السيادة وتقرير المصير، وبذلك يصبح تفكيك وكسر النظام الطائفي لإرساء دولة المواطنة في لبنان ضرورة ملحة. هذه الضرورة يمكن تحقيقها عبر تراكم التغيير كفعل مستمر يحمل المقاوِمون فيه وجه الحقيقة النازف ليُشكّلوا ملامح فجر التحرر المرتكز على مجتمع متماسك عابر للطوائف.
في الختام قال الكاتب ان السؤال يتجاوز حدود ما يحدث في فلسطين ولبنان ويؤثر بشكل محوري على الحقوق والعدالة والقوة على مستوى العالم، ولكي نتفهم هذه التأثيرات يجب تخطي السرديات السطحية ومواجهة المؤسسات السياسية والاقتصادية التي تغذي عدم المساواة ويجب عدم الوقوف على الحياد في مواجهة الإبادة والظلم. داعيا الجيل الجديد الى عدم السعي للعيش فقط كالكائنات الحية الاخرى، بل السعي الى حياة العز والكرامة مستشهدا بعالم النفس فرانس فانون (الذي قاتل مع الثورة الجزائرية) والذي قال بان «على كل جيل أن يكتشف مهمته التاريخية وأن يختار موقعه منها» وكذلك قول الزعيم انطون سعادة بان «الحياة كلها وقفة عز».
محاضرة يارا الشوفاني
استهلت الأستاذة يارا الشوفاني محاضرتها بشرح المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الطويل الأمد ولا يمكنه التعايش مع الشعب الفلسطيني ولـذلك يجب قمعه وتهجيره وقتله، وان السؤال في إسرائيل ليس احتلال او عدم احتلال الاراضي الفلسطينية بل باي سرعة وزخم يجب فعل ذلك، واستشهدت بزئيف جاب وتنسكي وكتابه «الجدار الحديدي» الـذي كتبه في 1923 والذي قال فيه ان العرب لن يرضوا بان «نأخذ ارضهم» ولذلك لا يجب التفكير في التعايش المشترك في فلسطين بل ببناء جدار حديدي، عسكري واقتصادي، يحمي الدولة اليهودية ويجبر العرب على القبول بها كأمر واقع.
تابعت المُحاضرة بان الصهاينة عملوا على هـذا الأساس منذ العشرينات والثلاثينيات من القرن الماضي واستعانوا بالاستعمار البريطاني الذي سهل الاستيطان وامن القوة الاقتصادي والبنية التحتية لاستمراره، وقام كذلك بتسليح الميليشيات الصهيونية والتعاون في قمع أي مقاومة فلسطينية بالاعتقالات وارتكاب المجازر كما حصل في ثورة 1936.
خلال الربع-قرن الاخير اتبعت اسرائيل أسلوب الموت البطيء كفرض حصار طويل على غزة وقضم الاراضي وبناء مستوطنات صغيرة ومن ثم توسيعها في الضفة الغربية، لكن هذا الأسلوب تغير كليا بعد 7 أكتوبر 2023 الذي يعتبر نقطة تحول جذرية في استراتيجية الدولة الإسرائيلية او بالأحرى وصول الصهيونية الى «خاتمتها المنطقية». بعد ذلك وصفت يارا ما يحصل بعد هذا التاريخ من إبادة جماعية واعتقالات جماعية وانتهاكات السجون والموافقة على أكثر من 60 مستوطنة جديدة؛ وتحويل البؤر الصغيرة إلى مستوطنات منفصلة، مما أدى إلى نزوح جماعي. هذا الوضع لم يتحسن كثيرا بعد وقف اطلاق النار في غزة فلا تزال الاعتقالات الجماعية وانتهاكات السجون مستمرة لنحو 9600 أسير فلسطيني، ومجلس السلام يركز على نزع سلاح الفلسطينيين بدلًا من إعادة الإعمار أو الإغاثة الحقيقية.
بعد ذلك انتفلت المحاضرة الى الوضع في «الشتات» فأكدت ان الشتات (الاغتراب) مستهدف عبر دعاوى قضائية واعتقالات للمنظمين والمتظاهرين وتدخلات على مستوى المدارس لحظر الفعاليات المؤيدة لفلسطين، وضغوط من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. رغم ذلك ورغم صرف إسرائيل مبالغ طائلة فهناك تغيير كبير في الرأي العام على الصعيدين الدولي والمحلي فاستطلاع رأي في كندا مثلا وجد ان أكثر من 60% من الكنديين يؤيدون إنهاء تجارة الأسلحة مع إسرائيل. اخيرا دعت يارا الى تكثيف العمل التنظيمي في أمريكا الشمالية وأوروبا والنظر إلى الشتات كساحة نضال حاسمة وشددت على بناء الوحدة، وتحدي الروايات الإسرائيلية، والتنسيق مع الحكومات والمجتمعات لتحويل الرأي العام إلى تغيير في السياسات.





