«القلم السوري» لا يعترف بسايكس بيكو «الرابطة القلمية» وإرث الأمة السورية في مواجهة محاولات طمس الهوية ـ الحلقة الأولى

في مدينة نيويورك، في حديقة عامة أقيم فيها نصب تذكاري يخلد ذكرى كبار أدباء المهجر، اندلع جدل لم تتوقعه بلدية المدينة الكبرى. فعندما وصفت اللوحة التعريفية جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وأمين الريحاني بأنهم «كتاب سوريون»، ثارت عاصفة من الاحتجاجات الرسمية في بيروت. طالب وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي «بتصحيح خطأ» جنسيات هؤلاء الرموز، وأكد أنهم «لبنانيون لا سوريون»، وأصدر توجيهاته إلى السفيرة اللبنانية في واشنطن لإجراء الاتصالات اللازمة لتصحيح النص. فيما اعتبرت الدائرة الثقافية في حزب «القوات اللبنانية» أن هذه التسمية تشكل «محاولة اغتيال للثقافة والهوية اللبنانيتين». أما المؤرخ الدكتور عصام خليفة، فقد حذر من «خطورة تصنيف بعض الشعراء اللبنانيين كأدباء سوريين»، معتبرًا أن ذلك يمثل مساسًا بالهوية الوطنية.

       لكن التاريخ لا يصنعه الوزراء، ولا تعاد كتابته بمواقف سياسية آنية، مهما كان موقع أصحابها. فالحقيقة الثابتة أن هؤلاء الأدباء العظام وُلدوا وعاشوا وكتبوا في زمن كانت فيه «سوريا» اسماً لأمة واحدة تمتد من جبال طوروس إلى سيناء، ومن الفرات إلى البحر المتوسط، قبل أن تأتي معاهدة سايكس بيكو لتقسم هذا الكيان الحي إلى أشلاء، وتصنع من الواحد المتجانس كيانات سياسية متباعدة.

الرابطة القلمية السورية: صرخة أدباء النهضة في دفاع عن الأمة السورية قبل سايكس بيكو

 1. الرابطة القلمية السورية: المشروع الأدبي الجامع

       في العشرين من نيسان عام 1920، اجتمع في نيويورك ثمانية من كبار الأدباء المهاجرين، وأسسوا كيانًا أدبيًا أطلقوا عليه اسم «الرابطة القلمية»، وانتخبوا جبران خليل جبران رئيسًا لها، وميخائيل نعيمة أمينًا للسر. لكن ما يغفله كثيرون اليوم أن هذه الرابطة لم تكن مجرد «رابطة قلمية»، بل كانت «الرابطة القلمية السورية» بامتياز، حيث ضمّت أدباءً جمعتهم سوريا التي انحدروا منها، سوريا الكبرى التي كانت أمهم ووطنهم الأول. هؤلاء الأدباء، الذين جمعتهم الهجرة المشتركة واللغة العربية الواحدة والقضية الوطنية الواحدة، لم يعرفوا انقسامات سياسية في نيويورك. كانوا سوريين عندما يكتبون، وعندما ينشرون، وعندما يناضلون من أجل استقلال وطنهم الأم

.

 2. جبران خليل جبران: الروح السورية التي رفّت من بشري إلى نيويورك

جبران خليل جبران، ابن بشري اللبنانية، لم يكن يومًا بعيدًا عن سورية. لقد وُصف بأنه «الروح السورية المجنحة التي رفّت من بشري اللبنانية، فوق مسطحات البحار والمحيطات، إلى عالم الغرب، حاملة روح هذا الشرق السوري«.

في عام 1912، وفي رسالة مؤثرة، كتب جبران: «أنا لست وطنيًا… غير أن فؤادي يكتوي من أجل سورية». «لو أن موتي سيفعل شيئاً عظيماً من أجل سوريا، فلتأخذ سوريا حياتي»

وفي تمثيليته الحوارية: «بين الليل والصباح 1919» يقول: «أوه ما أعظم بليتك يا سوري. فأنا سوري وأريد حقاً سوريا، وحرية سوريا لسوريا».

لقد كان جبران من الأوائل المنادين بوحدة سورية الطبيعية، وكان يكتب ويخطب ويجمع التبرعات من أجل أبناء وطنه السوريين. وهو أول رئيس للرابطة القلمية، وكان يصر على تسميتها «بالسورية» لأنها ضمّت أبناء أمة سورية واحدة.

       وكان جبران سباقاً في خدمة قضية سوريا، حيث أسس عام 1916 في نيويورك «الجمعية السورية» لمساعدة المتضررين من المجاعة التي اجتاحت سورية في تلك الحقبة. وهو كان الأكثر بين رواد النهضة تمردا وتعبيرا عن قوميته وانتمائه السوري نثرا وشعرا وفنا ونشاطا. فهو من رسم في 11/11/1918 «سوريا الحرة» لحظة انسحاب الجيش العثماني من سوريا، فجسد امته بلوحة للمرأة الحرة المشعة ثقافة وانتماء وارادة على الحياة والنهضة.

اليس هو جبران خليل جبران السوري الإنتماء والمولود في «بشري- جبل لبنان – سوريا» حسب نصه هو، اليس هو ذلك المهاجر قسرا والمتمرد اجتماعيا والمفعم نفسيا بما سماه سعاده في كتابه نشوء الامم لاحقا « الأثم الكنعاني» فعبر عن «اثمه الكنعاني السوري» في كتابه «النبي» عن لوعة الغربة وعودة المصطفي الى شواطئ سورية .

 3. ميخائيل نعيمة: المؤسس الذي كتب دستور الرابطة

       أما ميخائيل نعيمة، صديق جبران ورفيقه في الرابطة، فلم يكن أقل منه انتماءً لسورية. فقد جعل من أدبه ونقده منبراً للدفاع عن قضايا الأمة السورية. في كتاباته، يردد نعيمة فكرة «أن من يريد أن يخلص في حبه لسوريا، عليه أن يتخلى عن ولائه لأي قوة أجنبية، وأن يعمل من أجل بناء أمة سورية قوية موحدة».

عندما عاد نعيمة إلى لبنان عام 1932، لم يتخلَّ عن سورية في وجدانه. كان يوقّع مقالاته وأعماله الأدبية بوصفه «سوريًا وما يميز نعيمة أنه لم يكن مجرد أديب، بل كان مثقفًا عضويًا سوريًا، يقف إلى جانب قضايا أمته، ويدافع عن سوريا التي نشأ فيها وترعرع في أحضانها.

 4.إيليا أبو ماضي: الشاعر الذي نطق بصوت سورية الجميلة

       إيليا أبو ماضي، رغم كونه شاعرًا رومانسيًا بامتياز، لم يخجل في العديد من قصائده من التعبير عن حبه العميق لسوريا. في قصيدته الشهيرة »صوت سوريا الجميلة«، يشدو بأبيات عذبة:

صَوتُ سورِيّا الجَميلَه … صَوتُكِ العَذبُ الرَخيم … ضاحِكٌ مِثلُ الخَميلَه … لاعِبٌ مِثلُ النَسيم

لقد ثبتت الدراسات الحديثة أن إيليا أبو ماضي كان يكتب رسالته الأدبية انطلاقًا من شعوره بأنه جزء من أمة سورية كبرى.

 5. أمين الريحاني: فيلسوف الوحدة والقومية

       أمين الريحاني، صاحب الفلسفة الشرقية والنبوغ السوري، كان أشهر من دعا إلى الوحدة القومية. لقد كتب في أكثر من مناسبة عبارته الشهيرة: »إذا أقبلت سوريا فبيروت أمامها، وإن أدبرت فبيروت وراءها«. هذه العبارة تعبر بوضوح عن أن لبنان كان جزءًا لا يتجزأ من كيان سوري أكبر، وأن بيروت كانت عاصمة سورية الطبيعية. بالنسبة له

 وفي كتابه «تاريخ نكبات سوريا» (1928)، طرح أسئلة وجودية حول أسباب تخلف الأمة السورية وسبل نهضتها، مما جعله أحد أبرز المفكرين الذين ربطوا بين الأدب والسياسة والنهضة السورية.

 6. د. خليل سعاده وأنطون سعاده: الأب والابن في خدمة سورية الأمة

الدكتور خليل سعاده، كان طبيبًا بارزًا وكاتبًا وناشطًا وطنيًا، يُعتبر أحد طلائع النهضة السورية القومية. لقد مارس مهنته في لبنان وفلسطين ومصر، لكنه ظل مرتبطًا بسوريا الكبرى في كتاباته وفكره.

       أما أنطون سعاده (1904-1949)، فقد واصل مسيرة والده، وأسس الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1932، داعيًا إلى وحدة سوريةالطبيعية.

 ولقد كان سعاده الأكثر من بين رواد النهضة في الإغتراب شمولية وجدية، وقارب موضوع الإنتماء من سكة علم الاجتماع وعاد الى امته السورية وأنشأ الحزب السوري القومي الإجتماعي وسيلة لنهضة الأمة السورية ولتحقيق سيادتها على أرضها.

القومية

 7. شبلي شميل وإبراهيم اليازجي: عمالقة النهضة السورية

       شبلي شميل (1850-1917)، العالم اللبناني الذي تخرج من الكلية السورية الإنجيلية في بيروت (الجامعة الأمريكية لاحقًا)، يُعتبر من طلائع النهضة العربية حمل همّ الإصلاح الاجتماعي والفكري. لقد رفع شعارًا أساسيًا يقول: «الحقيقة أن تقال لا أن تُعلم»، وهذا الشعار نفسه يعبّر عن قناعته بأن الحقيقة واحدة، والأمة واحدة، بغض النظر عن التقسيمات السياسية..

       الأب إبراهيم اليازجي، فهو أحد أعمدة النهضة اللغوية والأدبية. نظّم قصائد تؤكد عروبة سوريا ووحدة أبنائها، وكان أحد مؤسسي المؤتمر السوري العام عام 1919-1920 الذي أعلن استقلال الأمة السورية. وقد شارك في هذا المؤتمر إلى جانب وجوه لبنانية وسورية أخرى، ما يدل على أن الانتماء السوري لم يكن حكرًا على طوائف أو مناطق معينة، بل كان جمعًا وطنيًا جامعًا.

       بعد هذا السرد الموضوعي والتاريخي لبعض رواد عصر النهضة وبعض من كتبت اسماءهم في لوحة الحديقة في نيويورك نعود في الحلقة التالية للتحدث عن اصحاب الحملة المعترضة على اللوحة واستبيان دوافعهم:

 يتبع

جورج م. رياشي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *