كثيرة هي التكهنات حول مصير هذه الشهادة، أودّ هنا أن أدلي برأيي في هذا الشأن.
تشكّل الشهادة الوطنية في نهاية التعليم الأساسي محطّة تقييمية جوهرية في النظم التعليمية الحديثة، فهي ليست مجرد امتحان، بل أداة لضبط الجودة وربط التعليم المحلّي بالمعايير الدولية. ومن الأهميّة بمكان ان تعير النظم التعليمية أهميّة كبرى لهذه الشهادة بالذات لارتباطها بعدة مسائل من خلال توفير بيانات وطنية تسمح بتحديد الفجوات التعليمية، وبترسيخ ثقافة التقييم لدى المتعلمين بحيث يعتادون ضغط الاختبارات الموحّدة.
في عمر المراهقة (15 سنة)، يحتاج المتعلم إلى هدف قريب المدى وملموس، لذا قد يدفع غياب الشهادة المتعلّم كما المعلّم إلى تقليل الجهد، معتبرَين أن الامتحان الفعلي لا يزال بعيداً (في نهاية الثانوي)، كما أن غياب الاختبار الوطني الموحّد يفتح الباب امام تفاوت جودة التقييمات المدرسية، ويؤدّي الى ترسيخ التفاوت في أداء المؤسسات التعليمية وتعميق البعد التجاري.
تلعب الشهادة في نهاية التعليم الأساسي دورًا هامًا في التحضير الجادّ والنوعي لناحية تجربة الاختبار الوطني العام كعتبة للانتقال الى المرحلة الثانوية حيث يواجه المتعلّمون متطلّبات أكاديمية قد يؤدي دخولها باستهتار الى ضغوط نفسية وتسرّب دراسي. وتضمن الشهادة التجانس النسبي في مستوى المتعلّمين ما يضبط حدود التعليم الثانوي ويرفع جودته، كما يمكن الافادة منها لتوجيه المتعلّمين في مساراتهم التعليمية.
إنّ من أخطر ما ننحدر اليه بعدم إيلائنا الاهتمام بشهاداتنا الوطنية وعلى رأسها شهادة نهاية التعليم الأساسي، هو فقدان الأهلية لدى خرّيجينا لأسباب تراكمية الضعف الذي لا يواجه ولا يعالج في الوقت المناسب، والأشدّ خطورة اعتياد المتعلّمين على «النجاحات» السهلة أي على الاسترخاء فيصطدمون بواقع التنافس في سوق العمل بسلاح مواجهة اكاديمية ضعيف، ان لم نقل كرتوني هشّ، ويكتشفون افتقادهم للأساسيات التي كان من المفترض اكتسابها في مرحلة التعليم الأساسي أو كحد اقصى الثانوي.
علينا كمجتمع وخاصة الأهل أن نحرص على شهادة البروفيه بل أن نطالب بجعلها مؤشّرًا لاكتساب كفاءات الحدّ الأدنى اللغوية لناحية القراءة المعمّقة المتمثّلة بمهارات استخراج الافكار وتشكيل المعنى، والمحاججة والترتيب المنطقي للأفكار، ومقابلة النصوص ومقارنة عناصرها؛ والرياضياتية المتمثّلة بمهارات النمذجة بتحويل المسائل الواقعية الى معادلات، والتعامل مع بيانات المعطيات والرسوم البيانية، وكذلك مهارة الاستدلال بتسلسل منطقي منظّم.
علينا أن نطالب دولتنا بمعايير وطنية لضبط مستوى التعليم الأساسي لكي نضمن مستقبليًّا اقتصادًا قائمًا على المعرفة ببعد ثقافة اجتماعية تشمل كافة المواطنين إذا سلّمنا جدلًا بإلزامية التعليم الأساسي.
كما علينا كمجتمع أن ندافع عن شهاداتنا الوطنية بكافة مستوياتها لأنها إحدى المكوّنات الأساسية للكرامة الوطنية ببعديها الثقافي والفكري، جاعلين منها نقطة انطلاق للمشاركة بالاختبارات الدولية، واثبات حضورنا الفعّال كذلك بجعلها مؤشّرًا لقدرات متعلّمينا الانتاجية لاحقًا في سوق العمل.
هدى خوري

