إن الخوض في غمار السيرة العلمية والعملية للفقيه الفرنسي جورج فيديل يتطلب إدراكاً عميقاً لطبيعة التحولات الهيكلية التي شهدتها الدولة الفرنسية في القرن العشرين، كما يتطلب إلماماً بتفاصيل الدولة الأم في صياغة القانون لا سيما القانون الوضعي، وفهم دستورها العريق الذي كان مصدراً تشريعياً رئيسياً لدولٍ كثيرة حول العالم وبعضها لا يزال يعمل وفق مواده التي لم تسقط بالتقادم وأثبتت أنها صالحة لذاك الزمان وهذا الزمان.
وبالعودة إلى رجلنا القانوني فيديل، فهذا الرجل لم يكن مجرد مراقب لتلك التحولات بل كان المحرك الذهني والمهندس القانوني الذي أعاد صياغة مفهوم «الدولة» في الوجدان الجمعي الفرنسي، فمنذ بداياته الأولى في كنف مدرسة «تولوز» الفرنسية العريقة، لم يكتفِ فيديل باجترار نظريات أسلافه مثل موريس هوريو، بل عمد إلى تفكيكها وإعادة تركيبها بما يتلاءم مع مقتضيات العصر الحديث، وهذا الذي لطالما تحدثت عنه، أن تستمد من نظريات من سبقك لكن أن تحررها من زمانها بما يتوافق والعصر الذي تعيش فيه، ففيديل كان يرى أن القانون العام ليس مجموعة من القيود الجامدة بل هو علم «هندسة المجتمعات»، ولذلك نجد أن إسهاماته في القانون الإداري قد أحدثت قطيعة معرفية مع التفسيرات الضيقة لنصوص «مجلس الدولة» الفرنسي، إذ أرسى قواعد جديدة لنظرية «القرار الإداري» معتبراً إياها أداة لتحقيق النفع العام وليست امتيازاً تسلطياً، ومن هنا نبع تفوقه في شرح كيف يمكن للقاضي الإداري أن يبسط رقابته على «ملاءمة» القرارات وليس فقط على «مشروعيتها»، وهو ما فتح الباب أمام جيل كامل من القضاة ليتجرأوا على إلغاء قرارات كبار المسؤولين إذا ما انطوت على انحراف في استعمال السلطة أو مست جوهر الحريات العامة، وهذا التوجه هو الذي جعل من مؤلفاته، وخاصة كتابه الضخم في القانون الإداري، مرجعاً كلاسيكياً لا يستغني عنه قاضٍ أو محامٍ، حيث تميز بأسلوب أدبي رفيع يمزج بين دقة المنطق الرياضي وسلاسة اللغة الفرنسية الكلاسيكية، مما جعل نصوصه القانونية أشبه بمقطوعات فكرية متناغمة تقنع العقل وتريح الوجدان.
وعند الانتقال إلى دور فيديل التاريخي في بناء جمهورية عريقة مثل فرنسا التي أنجبت الكثير من العظماء ليس فقط في القانون بل في الفن والسياسة والفلسفة وحتى التراث العمراني، هنا نجد أن فيديل قد لعب دور «العقل المستتر» وراء نصوص الدستور التي صاغها ميشيل دوبريه، فقد كان هو المنظر الأول لفكرة «الرئيس الحكم» الذي يسمو فوق التجاذبات الحزبية، وهي الفكرة التي أنقذت فرنسا من شلل النظام البرلماني الذي كان سائداً في الجمهوريات السابقة، ولم تكن مساهمته مجرد استشارة عابرة بل كانت رؤية فلسفية متكاملة تهدف إلى حماية الدولة من التفكك، حيث دافع باستماتة عن المادة السادسة عشرة من الدستور التي تمنح الرئيس سلطات استثنائية في ظروف معينة، لكنه في الوقت ذاته وضع القيود الفقهية التي تمنع تحول هذه السلطات إلى استبداد، مؤكداً أن شرعية السلطة تستمد دائماً من خضوعها للدستور، ولم يكتفِ فيديل بالتنظير للسلطة التنفيذية بل كان هو من قاد عملية «قضائية الدستور» عبر تعزيز مكانة المجلس الدستوري، فقبل عهد فيديل كان المجلس يُنظر إليه كأداة سياسية تابعة للحكومة، لكنه بفضل اجتهاداته ومقالاته العميقة استطاع أن يقنع الطبقة السياسية بأن المجلس هو «المحكمة العليا للحقوق»، وبأن الحريات الأساسية لا يمكن أن تُترك تحت رحمة أغلبية برلمانية عابرة، وهذا التحول النوعي هو الذي أدى إلى ولادة ما يعرف بـ «دولة القانون» بالمعنى المعاصر في فرنسا، حيث أصبح الدستور هو المرجع الأعلى الذي يخضع له الجميع دون استثناء، وهو الإنجاز الذي توج في عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين بقرار المجلس التاريخي الذي وسع «الكتلة الدستورية» لتشمل إعلان حقوق الإنسان، مما جعل من حقوق الفرد حصناً منيعاً لا يمكن للبرلمان المساس به حتى لو امتلك الأغلبية المطلقة.
بالتالي، إن الإشباع الفكري في مسيرة فيديل يظهر بوضوح في قدرته على التكيف مع التغيرات السياسية الكبرى دون أن يفقد نزاهته العلمية، فعندما ترأس «لجنة فيديل» في عهد الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران، أثبت أنه فقيه لكل الفرنسيين وليس لتيار سياسي بعينه، حيث قدم في تلك الفترة مقترحات بالغة الأهمية تتعلق بتعزيز الرقابة على دستورية القوانين وتطوير النظام القضائي، وهي المقترحات التي اعتبرت في وقتها جريئة جداً لأنها نادت بفتح باب التقاضي الدستوري أمام المواطنين مباشرة، وهو حلم لم يتحقق بشكل كامل إلا بعد رحيله بسنوات، مما يدل على أن فيديل كان يسبق عصره بعقود طويلة، كما أن تأثيره في الفقه القانوني العالمي لا يمكن حصره، فقد كان ضيفاً دائماً على كليات الحقوق في مختلف أنحاء العالم، ونقل تجربته الفرنسية إلى دول عديدة ساعدها في صياغة دساتيرها أو إصلاح أنظمتها الإدارية، وكان يؤكد دائماً أن «القانون هو روح الأمة»، وبأن استنساخ النصوص دون فهم البيئة الاجتماعية هو تدمير لمعنى العدالة، ولذلك حظي باحترام كبار الفقهاء المعاصرين له الذين رأوا فيه تجسيداً لسمو العقل القانوني الفرنسي، وقيل فيه إنه «آخر العمالقة» الذين استطاعوا الإحاطة بكافة فروع القانون العام والربط بينها في نسق واحد لا يقبل التجزئة، وهذا ما جعل آراءه في القانون الدولي وفي حقوق الإنسان وفي المؤسسات السياسية تشكل وحدة موضوعية مترابطة تهدف في النهاية إلى حماية كرامة الإنسان وضمان استقرار المجتمع تحت سقف العدالة.
وفيما يخص الآراء التي قيلت في حقه، فقد كانت تنم عن تقدير مهيب لمنزلته ومكانته المقدّرة من قبلهم، إذ اعتبره الكثيرون «بوصلة الجمهورية الفرنسية» التي لا تخطئ، ووصفه القضاة الذين عملوا معه في المجلس الدستوري الفرنسي بأنه كان يمتلك «سلطة أدبية» هائلة تنبع من علمه الغزير وتواضعه المميز، وكان بمقدوره أن يقنع الخصوم السياسيين بحل قانوني يرضي الجميع دون أن يتنازل عن مبادئه، ومما قيل عنه أيضاً إنه كان «يقرأ نصوص الدستور بقلب الفيلسوف وعين القاضي»، وهو ما جعل تفسيراته تتسم بالعمق والشمولية، والواقع أن جورج فيديل قد ترك وراءه مكتبة قانونية هي الأغنى في القرن العشرين، تضم آلاف الصفحات من الدراسات والمقالات والكتب التي لا تزال تُطبع وتُترجم وتُناقش في كبريات الدوريات العلمية، وختاماً فإن ذكرى جورج فيديل ستبقى محفورة في تاريخ فرنسا كأحد أعظم بناة الدولة القانونية، والرجل الذي أثبت أن الكلمة الصادقة والبحث الرصين يمكنهما تغيير مجرى التاريخ وصناعة دساتير تعيش لقرون، فهو لم يرحل إلا بعد أن اطمأن إلى أن البنيان الدستوري الذي ساهم في رفعه قد أصبح عصياً على الانهيار، وبأن قيم الحرية والمساواة التي نادى بها قد تجذرت في المؤسسات القضائية، لتظل سيرته منارة تلهم الحقوقيين في كل زمان ومكان، وتؤكد أن الفقيه الحق هو من يجعل من علمه سيفاً للعدالة ودرعاً للمظلومين، ليبقى اسمه مرادفاً للجمهورية الفرنسية وأعي بشكل قاطع تلك الحقبة، لأن الحقبة الحالية تنم عن وجود أخطاء كثيرة رغم أن المدرسة القانونية الفرنسية كانت من أعظم وأرقى المدارس، أما فيديل فسيبقى رمزاً لعظمة القانون الفرنسي في أبهى تجلياته.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان – كاتب ومفكر/الكويت

