تمثل قضية خالد أديب نموذجاً واضحاً للخيانة المركّبة التي تجمع بين الغدر الشخصي والتآمر التنظيمي والانتهازية المالية، بحيث لا تظهر الخيانة كفعلٍ معزول أو زلّة فردية، بل كسلوكٍ متدرّج يُساء فيه استخدام الموقع والمسؤولية، ويُستغلّ القسم الحزبي لتبرير أفعال تتعارض مع مصلحة الحزب والأمة. وفي هذا النموذج، تتداخل أوجه الخيانة التنظيمية والأمنية والمالية والفكرية والأخلاقية، لتشكّل حالة شاملة تكشف كيف يتحوّل الانحراف الفردي إلى خطرٍ مباشر على سلامة الحركة وقيادتها وثقة القوميين الاجتماعيين بعضهم ببعض.
أ-الخيانة التنظيمية: التآمر على سلطة الحزب
يكشف «مرسوم طرد خالد أديب» الصادر عن سعاده بصفته زعيم الحزب بتاريخ 18/07/1940 ان الخيانة بلغت ذروتها في اعترافه بتآمره على سلطة الحزب ودسّه على إدارته العليا في اجتماع عام للقوميين الاجتماعيين في مديرية بوينس آيرس. وقد سبق ذلك قرار بتاريخ 08/07/1940 يقضي بتجريده من رتبة الأمانة بسبب «إهماله الأعمال المكلف بها» و«عدم أداء واجب وظيفته.»[1] ويعلل سعاده قرار الطرد، بالإضافة إلى اعتراف المطرود بالخيانة، بالتجائه «إلى الصحافة للطعن في الزعيم، والتحدث عن شؤون الحزب الداخلية، بتأويل كثير وتعرّض ظاهر واختلاق ما لا صحة له، ونشره سلسلة كتابات في جريدة السلام..»[2]
ب-الخيانة الأمنية: تعريض القيادة والوثائق للخطر
في بلاغ داخلي تضمنته رسالة رسمية موجهة إلى منفذ عام المكسيك بتاريخ 26/07/1940، يتهم سعاده خالد أديب بـ «مسؤوليته في حادث توقيف الزعيم في البرازيل، وتعريض وثائق مكتب الزعيم للوقوع في أيدٍ غريبة»،[3] مما يجعل الخيانة هنا مساساً مباشراً بأمن القيادة وسرية الوثائق. وفي رسالة إلى إبراهيم طنوس تاريخ 02/08/1940، يعتبر سعاده حادث توقيفه في سان باولو، بتهمة باطلة مفادها أنه يعمل عمل لحساب ألمانية وإيطالية، «من الأخطاء التاريخية الخطيرة الشأن»، ويضيف: «إذ كاد الأمر يقضي عليّ نهائياً إما بانحلال القوى ضمن السجن، وإما بتسليمي إلى السلطة في سورية، فتكون الرحلة قد انتهت بأعظم نكبة في تاريخ الحركة، وهي، حتى الآن، أعظم صدمة حصلت لها.»[4]
ت-الخيانة المالية: استغلال المنصب والثقة
تكشف رسالة سعاده إلى وكيل منفّذ منفذية الشاطئ الذهبي جانباً مأساوياً من خيانة خالد أديب الصريحة، حيث يصفه بأنه كان «دجالاً ومنافقاً»، إذ استغل منصبه للحصول على أموال من منفذية الشاطئ الذهبي مدعياً أنها «للإنفاق على الزعيم»، بينما كان في الحقيقة «ينفق المال بتبذير كثير في الملاهي والكباريهات ومنادمة الراقصات وبنات الهوى[5]». يخاطب سعاده الوكيل:
«بهذه المناسبة أخبرك ليكون معلوماً عندك وعند الرفقاء في الشاطئ الذهبي أنّ المال الذي تسلّمه خالد أديب منكم، بدون معرفتي، ادّعى أنه تسلّمه من أخيه في الشاطئ الذهبي، وأنه تناول هذه المساعدة من بيته لينفق على الزعيم! والتقارير المتوفرة وتيقني بنفسي ثابت أنّ المذكور أنفق المال بتبذير كثير في التياترو والكباريهات ومنادمة الراقصات خائناً بيمينه وعابثاً بإيمان القوميين الاجتماعيين وحسن طويتهم. إنه كان دجالاً ومنافقاً.»[6]
ث-الخيانة الفكرية: التحول إلى أداة لقوى أجنبية
بعد طرده، يكشف سعاده في الرسالة نفسها إلى وكيل منفذ منفذية الشاطئ الذهبي أن خالد أديب «التحق بنصاب… واتفق معه على تسخير الضمير لمصلحة لجنة ديغول الفرنسي»، محولاً نفسه من مناضل قومي إلى «أداة طيعة» في يد قوة أجنبية.[7]
ج-الخيانة الأخلاقية: نقض اليمين وكسر العهد
يعتبر سعاده أن أفعال خالد أديب، المتمثلة في ريائه وسوء تصرفه وتآمره على سلطة الحزب، تشكل خيانة صريحة وجريمة ضد الحركة القومية الاجتماعية. ولم تكن هذه التصرفات في جوهرها سوى انتهاكاً صريحاً للقسم. لذلك، حاكم سعاده خالد أديب على أساس «نقض اليمين» الذي يعتبره «جريمة» بحد ذاتها، مستقلة عن أي ذنب آخر، لأن اليمين هو العقد الذي يربط العضو بالأمة والحزب، ونقضه هو قطع لهذا الرابط الأخلاقي والقانوني.
[1] قرار بتجريد خالد أديب من رتبة الأمانة، 08/07/1940. يذكر سعاده أن خالد أديب أهمل تنفيذ التعليمات الصادرة إليه للاهتمام بجمع الوثائق اللازمة عن مدة وجود الزعيم في الأرجنتين، لإرسالها إلى المحكمة العسكرية في بيروت لتبرئة أركان الحركة القومية الموقوفين أمام تلك المحكمة من تهمة التآمر على سلامة الدولة في الداخل والخارج، وهي التهمة التي وجهها الادعاء العام العسكري إلى الحزب السوري القومي، استناداً إلى الإشاعة الكاذبة من أنّ الزعيم موجود في برلين عاملاً في محطة راديو المدينة المذكورة. وهذا الإهمال دلَّ على قصد سيء جداً يبلغ درجة الإجرام لأنه عرَّض حياة عدد من كبار رجال الحركة ومن أشجع القوميين لخطر شديد. راجع ما أوردته «الزوبعة»، بوينس آيرس، العدد 1، 1/8/1940 بعنوان: «طرد خالد أديب من الحزب السوري القومي.»
[2] مرسوم بطرد خالد أديب، 18/07/1940.
[3] إلى منفذ عام المكسيك، 26/07/1940.
[4] رسالة إلى إبراهيم طنوس، 02/08/1940.
[5] رسالة إلى إبراهيم طنوس1ن 21/09/1940.
[6] إلى وكيل منفذ منفذية الشاطئ الذهبي (أمين الأشقر)، 20/12/1945.
[7] المرجع ذاته.

