المستجد الذي شغل العالم في مطلع العام الجديد، فاق ما عرفته الأحداث العام السابق، من تطاول أميركي استبدادي على سيادة الدول وأعراف القانون الدولي ومبدأ «الحصانة السيادية» بعد كل ما أتقنت أميركا فعله في الدفع إلى انهيار النظم القانونية في العالم المعاصر، غرباً حيث تهيمن وتشغل العالم في الحروب وشرقاً، حيث تبيح لربيبتها تل أبيب فعل ما تشاء.
هكذا جاءت عملية خطف رئيس فنزويلا نيقولاس مادورو وزوجته من داخل فنزويلا في عملية عسكرية، أسمتها واشنطن عملية بطولية للدلتا، بينما هي عملية قرصنة ولصوصية بامتياز، ولم تتضح بعد كامل تفاصيل العملية وإذا كان هناك خيانة أو تواطئ داخلي.
العملية هذه تؤكد نية رئيس الولايات المتحدة الأميركية، بجعل العالم اجمع ساحة لجنونه من اجل ما يقوله «بالسلام المزعوم» وبعد فنزويلا قد نرى وبموجب مبدأ «مونرو» المستحدث لسياسة مرّعليها قرنين من الزمن مذ اقر جيمس مونرو استراتيجيته التوسعية، اليوم جاء عصر ترامب، ليصنع للعالم استراتيجية «دونرو». وبات الخطر أكبر على النقاط التي يطمع ترامب لتحويلها ملكاً لأميركا، أو تحت هيمنتها. والكلام عن ضم جزر غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، يبدو أحد المخاطر الداهمة.
وإذا كانت واشنطن بموجب مبدأ مونرو تبسط هيمنتها على كل الغرب، فهي تترك الشرق كما يبدو لربيبتها تل ابيب، والتنسيق قائم بين الفريقين، وليس الاجتماع الأخير الا واحدا من سلسلة تفاهمات بين الادارتين اللتين تعملان دائما لتوحيد الرؤية وكلاهما يتماديان في انتهاك المعايير الحقوقية للقوانين الدولية والإنسانية ان في غزة والضفة أوجنوب لبنان وكذلك في جنوبي دمشق.
هذا الواقع يجعل منطقتنا أمام استحقاقات متتالية أولها الاجتماعات أو ما دعي بالتفاهمات التي تجري في باريس بين دولة الكيان «الإسرائيلي» وحكومة الجولاني والتي يمكن وصفها بشرعنة منح الجولان السوري إلى «إسرائيل» ودون مقابل، كما يرشح من معلومات ، رغم التغطية بالكلام عن مشاريع اقتصادية أو غيرها فالثابت إلى الآن ان المطلوب حسب ما أعلنته «اكسيوس» هو انشاء «خلية اندماج»، تعمل كآلية تنسيق استخباراتي امني وسياسي واقتصادي، دون ان تلزم العدو بالانسحاب ولا الاعتراف بحقوق سيادية لدمشق، وهذا عكسه بيان دمشق الذي لم يشر إلى الوجود الإسرائيلي كاحتلال ولم يتحدث عن انسحاب ولا استعمل عبارات تتحدث عن الشرعية الدولية، بل هو اعتبره تقديم للأمن والاستقرار على السيادة.
وكلام الشيباني ابلغ مثل وكذلك الخريطة التي أطلقتها الحكومة من دون الجولان.
هذا الفائض من الثقة الذي تشعر به حكومة الجولاني يدفعها إلى قبول التفاوض مع العدو الإسرائيلي، ولكنها ترفض التفاهم مع الاكراد حيث يؤدي الامر إلى تهجير كبير في حلب واستعدادات لمعارك ستكون مدمرة حسب الوقائع، وبالتالي تبقي كل مناطق النفط والغذاء رهن وجود الاميركيين شرقي سوريا بحجة غياب الاستقرار.
اما غزة حيث تستمر عملية الإبادة رغم اعلان وقف النار، فلا يزال الامر مرتهن بجثة اليهودي الأسير ولو تراكمت جثث الغزيين بعوامل الطبيعة ورفض ادخال البيوت المتنقلة، وكذلك حصار الغذاء والدواء ضد الأوبئة المنتشرة.
وفي الضفة والقدس حيث يستمر توسع الاستيطان بخيار سموتريتش دون اغفال عمليات التهجير وجرف البيوت والأراضي الزراعية والتوترات القائمة داخل «إسرائيل» بين السلطة والحريديم، لرفضهم الانخراط في التجنيد الاجباري. هذا التوتر المجتمعي داخل كيان العدو، يظهر أيضا في مستوطنات شمال الكيان، حيث تقتصر العودة على عشرين بالمئة، نظرا لانعدام الشعور بالأمان.
اما في الجنوب اللبناني فلا زالت إشكالية نزع السلاح ان من جنوب الليطاني أو شماله التي تتفاعل ولا يزال عدم التزام العدو باتفاق وقف النار أو بالقرار 1701 وبالتالي دور الميكانيزم المهيمن عليه أميركيا وإسرائيلياً ولا تزال قيادة الجيش اللبناني تعمل على إنجاز مهامها بحصرية السلاح بها والانتشار في الجنوب الذي يعيقه الوجود الإسرائيلي وتوغلاته المستمرة ومسيراته القاتلة امتدادا لمدينة صيدا والبقاع الغربي مؤخرا، تحت عنوان إلزام لبنان بنزع السلاح من منطقة شمال الليطاني. ويستكمل هذا الدور من داخل لبنان بتهويل الإعلام المأجور. وكذلك وزارة الخارجية اللبنانية ووزيرها الميليشوي
مصادر لبنان الرسمية، تطمئن بعدم حصول حرب طويلة، استنادا إلى تطمينات دولية للبنان والحقيقة لا ضير للغرب طالما الضربات السريعة تفي بالغرض وتؤمن للعدو استمرار عدم العودة للسكان واستمرار سياسة عدم الإعمار من الدولة اللبنانية وأيضا تحاول تكريس مزاعمها بعدم قيام الجيش بكامل مسؤولياته.
الخلاصة، أن استسهال دولة العدو تغييب القوانين والمواثيق الدولية واحترام سيادة الدول يبيح لها وبدعم أميركي مشهود أن تستمر في محاولاتها للهيمنة على ما تدعوه «إسرائيل الكبرى» دون أي رادع أو وازع، وحدها أكدت إرادة الشعوب عبر التاريخ لا ترد، وما يظهره الجنوبيون من صبر وعزم وقدرة مستمرة على المواجهة رغم التضحيات لأكبر دلالة على ذلك. أما عن دور الأمم المهيمنة على القرار الدولي يصح ما قاله سعاده في عشرينيات القرن الماضي عن سقوط الولايات المتحدة من عالم الإنسانية الأدبي وهو سقوط يستمر في دعم الانتهاكات والمنتهكين وفي محاولات استضعاف شعوب منطقتنا.

