لبنان بين مطرقة الخارج وسندان الداخل

بات واضحاً أن عملية إطلاق الصواريخ الثلاث، البدائية الإطلاق ودوي صفارات الإنذار في مستعمرة المطلة، وثم كشف التحقيقات أنها أعدت بأيدي عمال كلفوا من جهة ما وبجهد مدفوع (500 دولار أميركي) تم بقصد اتهام «حزب الله» بخرق القرار الدولي (1701).

رغم نفي المقاومة أي علاقة لها بالأمر بموجب بيان صدر عنها وكذلك باعتراف قوات اليونيفيل، التي أكدت التزام المقاومة بالقرار الأممي، وأنها لم تلحظ أي حراك للحزب جنوب الليطاني.

وإضافة لإجماع أركان السلطة اللبنانية على رفض الاتهام «الإسرائيلي». نجد بالمقابل 1500 اعتداء وخرق للعدو منذ إعلان وقف النار، عدا استمرار احتلاله التلال التي سيطر عليها أثناء الهدنة.

التطور الجديد هذا دفع رئيس مجلس النواب إلى اعتباره استدراج لبنان للدخول في مفاوضات سياسية وصولاً إلى التطبيع، خالصا للقول، «انه أمر غير وارد ».

كلام الرئيس بري عن «الاستدراج» يأتي اعترافاً بالتهديدات التي تلقاها لبنان مؤخراً، أن من خلال التصريحات الأولية على لسان المبعوثة الأميركية «مورغان اورتاغوس» اثناء زيارتها لبنان، أو في مطالب لاحقة، وصلت بالسبل الديبلوماسية لإجبار لبنان على تشكيل لجان سياسية للتفاوض، وما يعني ذلك من تطبيع، مطلوب، وربط ذلك بمهلة تمتد لثلاثة أشهر وأقصاها لأشهر ست.

إذا تأتي هذه العملية، كإنذار لما قد تتحول اليه الأمور في حال رفض الجانب اللبناني التنازل، يرافقها تأكيد لذلك، ما أعلنه رئيس الجمهورية عن وعود أميركية أعطيت له بتحييد بيروت، بعد إعلان وزير حرب العدو عن معادلة (المطلة ـ بيروت)، بالمقابل برزت مسارعة رئيس الحكومة نواف سلام إلى تأكيد موقف حكومته   «بالانتهاء من معادلة جيش شعب مقاومة، معتبراً أنها باتت من الماضي» وطبعاً دون أن يفصح عن معادلته المستقبلية!!

في هذه الأجواء من تضاعف المخاطر وتهديدات الخارج من الإدارتين المتكاملتين المتضامنين على لبنان، تل أبيب وواشنطن، يبرز على الساحة الداخلية اللبنانية، دعوات من أفرقاء لبنانيين يعلنون فيها جهاراً نهاراً ،استعدادهم للموافقة على استعمال كل الوسائل التي تتيح إضعاف المقاومة وبالتالي إضعاف لبنان، ولو اضطر الأمر لاستعمال الحرب الداخلية ودفع الجيش لانتزاع سلاح المقاومة بالقوة، برز في هذا المجال موقف «حزب القوات» على لسان مسؤولهم الإعلامي شارل جبور، الذي اعتبر  «الإطباق  بالقوة على أي قدرة لحزب الله والمقاومة، ولو من خلال المجازر، هي أولوية حزبه ».

أيضا مسارعة النائب القواتي غسان حاصباني لاتهام حزب الله بإطلاق الصواريخ معلناً انه «في حال لم يستلم الجيش اللبناني سلاح الحزب بالتراضي أو القوة، لا مانع من تلزيم هذه العملية للإسرائيلي جنوباً وللسوري شرقاً»!!

فيما بدا كلام رئيس الجمهورية «انه ليس هناك حلول صدامية لمسألة السلاح، بل يجب أن تسود الحلول الوفاقية.» انه تطميني للداخل.

لكن الإعلان عن مؤتمر تأسيسي، لمن يدعون أنفسهم «المحافظون الجدد في لبنان» وانعقد في بلدة بيت مري المتنية، وضم جملة من الأسماء الذين تحركهم السفارة ويكنون عداء واسعا   للمقاومة، هدف إلى الإعلان في المؤتمر بالدعوة لإنشاء وطن خاص بالمسيحيين بعد «فدرلة لبنان».

اجتماع هؤلاء يصح أن يطلق عليه انطلاق «الجبهة اللبنانية الجديدة»، وهم ممن يصح إطلاق   صفة فلولها منذ مرحلة انطلاق الحرب الأهلية في لبنان عام 75.

البيان التأسيسي لهؤلاء، مجافي للعلم والتاريخ، من خلال مزاعم التمسك بهوية «الشعب المسيحي» وتطلعاته. وهم يطالبون رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، أن يكون قائداً لهذه المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى تحقيق نظام فيدرالي هدفه الابتعاد كلياً عن مفاعيل اتفاق الطائف. داعين إلى تأسيس منصة لقوى اليمين في لبنان للاحتفاء بالتاريخ النضالي للمسيحيين في لبنان إضافة إلى الدعوة إلى تحالف دولي لجميع أبناء اليمين اللبناني مع سائر يمين العالم في أميركا وأوروبا، معلنين موافقتهم على خطة ترامب لإحلال السلام في المنطقة وإنهاء الحروب. 

بيانهم هذا هو تدبيج جديد لبيانات الجبهة اللبنانية منذ زمن شارل مالك ورفاقه الذين أرادوا يومذاك إدخال لبنان في «النظام الجديد» للمنطقة والذي سيتمخض عنه حل «مشكلة الشرق الأوسط الجديد»، وهم اليوم يريدون الانخراط في المشروع الأميركي المرسوم بعد المتغيرات الحاصلة.

نستعير هنا من أنطون سعاده ما وصف به هؤلاء ومنذ عام 1948، «غريبة هي في هذا الصدد أعمال العقلية الانعزالية في لبنان المؤسسة في تفكير الدولة الدينية، فهنالك ترحيب هائل بغفلته بقيام الدولة اليهودية إلى جانب الدولة المسيحية التي لاتزال تراود أفكار الفئة الرجعية الانعزالية وتتردد في احلامها.»

إذا يبدو مجددا أن هذا الفريق السياسي وكأنه لم يتعلم من مشاريع الحروب السابقة ووعود كيسنجر والولايات المتحدة في سبعينات القرن الماضي، فاذا به يستغل تسارع التحديات الخارجية للسلطة اللبنانية من قبل العدو المدعوم أميركياً، في ظل التركيبة السياسية التكفيرية المستجدة في دمشق، ليتقدم بمشروعه، مستغلا الظروف لتتيح له الضغوط التسريع باستسلام لبنان للمشيئة الأميركية والتطبيع مع العدو.

وهكذا يصبح التحدي الأكبر أمام اللبنانيين، مواجهة تحول هذا الانقسام الأفقي والعامودي الطائفي إلى انفجاره لحرب داخلية تطيح بالبلد.

إن المطرقة الخارجية على لبنان، من تهديدات وحصار مالي ومنع إعادة الأعمار إلا بشروط الأميركي والأطلسي على السواء، وكذلك بسلخ مناطق لبنانية وتسليمها للعدو كما شبعا، يضع الكيان على سندان الحرب والفدرلة، وهو المشروع الذي يعتبره العدو أولوية في المنطقة والإقليم

خطورة هذا الأمر يستدعي من أصحاب الفكر الوحدوي في المجتمع تضافرا للجهود الوطنية لهزم  مشروع الحروب الداخلية الجديدة  هذه والتي  لا يمكن ان تكون سعيا  للسلام  على الإطلاق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *