منذ بدء ولايته الرئاسية الثانية في كانون الثاني الماضي، فتح الرئيس الأميركي دونالد ترامب معركة مع وسائل إعلام رئيسية في الولايات المتحدة الأميركية إلى حد منعها من تغطية أخبار البيت الأبيض بحجة خفض الإنفاق في الحكومة الفدرالية. واعتبرت وكالات الأنباء العالمية المعروفة هذا الأمر بأنه ممارسة غير مسبوقة لرئيس بلد “يكرّس حرية الصحافة في دستوره”، حيث يصف ترامب بشكل روتيني صحافيين لا يتفق معهم بأنهم “أعداء الشعب” ويروجون “أخباراً مضلّلة”.
إجراء تجميد عمل وسائل إعلام كبيرة في الولايات المتحدة الأميركية شملت “الوكالة الأميركية للإعلام العالمي”، التي أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يُدرجها من ضمن “عناصر البيروقراطية الفدرالية التي قرر الرئيس أنها غير ضرورية”.
القرار شمل أيضاً “إذاعة أوروبا الحرة/ راديو ليبرتي” التي تأسست خلال الحرب الباردة للوصول إلى التكتل السوفياتي السابق، وإذاعة “آسيا الحرة” التي تأسست لتوفير تغطية إلى الصين وكوريا الشمالية وبلدان آسيوية أخرى يخضع الإعلام فيها لقيود مشددة. وتشمل المنصات الأخرى الممولة أمريكياً التي يتم تفكيكها “راديو فردا”، وهي إذاعة بالفارسية تحجبها الحكومة الإيرانية وشبكة “الحرة” الناطقة بالعربية التي تأسست بعد غزو العراق. الجدير ذكره أنه كان لدى “الوكالة الأميركية للإعلام العالمي” 3384 موظفاً في العام المالي 2023، وكانت طلبت 950 مليون دولار للعام المالي الحالي.
الرئيس الأميركي الذي فاجأ العالم منذ تسلمه مهامه بجملة قرارات غير عادية في عالم السياسة المحلية والعالمية، وذهب إلى حد منع صحفيي وكالة أنباء أسوشيتد برس من دخول المكتب الرئاسي والطائرة الرئاسية الأميركيين، مع تمكين وسائل إعلام يمينية بالمقابل من تغطية أخبار البيت الأبيض بأريحية أكبر، عمدت إدارته إلى تجميد عمل الصحافيين العاملين في وسائل الإعلام هذه الممولة من حكومة الولايات المتحدة، مما أدى إلى وقف عملها. الجدير ذكره أن وسائل الإعلام الحكومية تتمتع بجدار حماية يضمن استقلاليتها رغم أن تمويلها يأتي من الحكومة الأميركية. وهذه الاستقلالية لم ترق لترامب الذي اعتبر خلال ولايته الأولى أن وسائل الإعلام الحكومية يجب أن تروج لسياساته.
بالفعل بدأت إدارة دونالد ترامب عمليات تسريح واسعة النطاق في إذاعة “صوت أمريكا” (فويس أوف أميركا) ووسائل إعلام أخرى ممولة من الحكومة الاميركية. وبالتالي فإن القرار الذي يشمل إنهاء عقود مئات الموظفين، أثار انتقادات دولية، وسط تحذيرات من تداعياته على حرية الإعلام. ولم تتم فوراً إقالة الموظفين العاملين بدوام كامل الذين يحظون بحماية قانونية، لكنهم منحوا إجازة إدارية وطلب منهم عدم العمل. وبعد يوم فقط على منح جميع الموظفين إجازة، تلقى الموظفون العاملون بموجب عقود محددة رسالة عبر البريد الإلكتروني تبلغهم بإنهاء خدماتهم بحلول نهاية آذار. وأُبلغ المتعاقدون في الرسالة بأن “عليكم التوقف عن كل العمل فوراً ولا يسمح لكم بدخول أي أبنية أو أنظمة تابعة ل”الوكالة الأميركية للإعلام العالمي”. ويشكّل المتعاقدون الجزء الأكبر من القوة العاملة لدى “صوت أمريكا” خصوصاً في الخدمات باللغات غير الإنكليزية، مع العلم أن العديد من المتعاقدين ليسوا مواطنين أمريكيين، ما يعني أنهم يعتمدون على الأرجح على وظائفهم من أجل تأشيرات البقاء في الولايات المتحدة.
إذاعة “صوت أميركا” التي انطلقت عام 1942 في ظل الحرب العالمية الثانية، تبث بـ49 لغة من ضمنها اللغة العربية. وقد تمثلت مهمتها بالوصول إلى البلدان التي على حد رأيها لا تتمتع بحرية الإعلام. وقد كانت الذراع الإعلامي الأميركي لمواجهة الدعاية النازية.
الصحافي لدى “صوت أمريكا” ليام سكوت أشار إلى أن تدمير إدارة ترامب لـ”صوت أمريكا” ومنصات إعلامية أخرى “هو جزء من هجوم الإدارة الأوسع على حرية التعبير والإعلام”. ورغم السنوات الطويلة في عمله لم يصادف شيئاً على غرار ما حدث في الولايات المتحدة خلال الأشهر القليلة الماضية على حد قوله. وحال سكوت هو حال الكثير من الصحافيين الذين فقدوا عملهم بسبب قرار الرئيس ترامب. فقد تلقى مئات من مراسلي وموظفي إذاعات “صوت أميركا” و”آسيا الحرة” و”أوروبا الحرة” وغيرها من وسائل الإعلام الرسمية، رسالة إلكترونية تُفيد بمنعهم من دخول مكاتبهم وإلزامهم تسليم بطاقات اعتمادهم الصحافية وهواتف العمل وغيرها من المعدات.
القرار أثار حفيظة المسؤولين العاملين في وسائل الإعلام التي أوقفت الإدارة الأميركية تمويلها واعتبروا أن هذا القرار هو هدية لخصوم الولايات المتحدة الأميركية و”فوزاً لهم وسيجعلهم أقوى، وسيجعل أميركا أضعف” على حد قول ستيفن كابوس رئيس إذاعة أوروبا الحرة “راديو ليبرتي” التي كان بثها موجهاً للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. ولعل أبرز وصف لقرار حجب الديمقراطية هو ما ينطبق عليه المثل القائل “وشهد شاهد من أهله”. فقد عبّر آدم بينينبرغ الأستاذ المحاضر في الصحافة بجامعة نيويورك بالقول “عندما تترنح الصحافة تدفع الديمقراطية الثمن”. وتوقع أن تكون هناك “ملاحقات قضائية ومضايقات وحملات تشهير بحق غرف التحرير”. ومن جهتها دعت صحيفة “نيويورك تايمز” إلى “التصدي لتكتيكات التخويف التي يعتمدها دونالد ترامب”، مشيراً إلى ضرورة أن تعزز المجموعات الإعلامية “فرقها القانونية وميزانياتها لمواجهة الإجراءات التكميمية” على حد وصفه.
في سياق متصل بدأ عدد من مسؤولي وسائل إعلام أميركية حملة تحبب للرئيس الأميركي بهدف تجنيب مؤسساتهم التعرض للملاحقة القضائية. وقد عبّر مارك فيلدستين الأستاذ المحاضر في الصحافة بجامعة ميريلاند عن هذا الوضع بالقول أن “قيام مديري وسائل إعلام تقليدية وشركات تكنولوجية كبيرة بخطب ود إدارة ترامب من خلال التحبب إليها هو مصدر قلق كبير”.
أمام هذا الواقع يطرح العديد من المدافعين عن حرية الصحافة واستهجان قرار الرئيس ترامب في موضوع حملته على وسائل الإعلام التي لا تتماشى وخططه، السؤال: ما هي جدوى وسائل الإعلام اليوم بعد هذا القرار وما هي قدرتها على التعامل مع الظروف الصعبة التي أوجدها؟