سؤال الدولة

نجيب نصير

للأسف، للأسف، للأسف، كلما نظرنا إلى أحوالنا العامة، نضطر تفكيرياً، للعودة إلى القرن التاسع عشر، حيث بزغة «الدولة» بمعناها التطبيقي التطوري، التي يشار إليها «بالحديثة»، بمعنى عيشها بالعصر، بما يعني الآن وهنا، ولما نزل إلى هذه اللحظة نقوم بالنظر إلى منجز تكنولوجية الدولة، من الناحية التنظيرية، ومن الناحية العملية، نظرة تاريخية، وكأنها استظهار نحجم عن نقله إلى التفكير أو إلى الواقع، إلا بصيغة، ناقل الكفر ليس بكافر، وهو ما يظهر خاصية التمسحة ( من تمساح سميك الجلد) لدينا، بما يمكن تفسيره عامياً، بعدم الشعور، وهي مرحلة ما قبل بدائية للعمليات المعرفية ، فمهما سمعنا عن الدولة الحديثة، ومهما رأينا ولمسنا منجزاتها، لم يعنِ لنا ذلك شيئاً محدداً أو غير محدد، لأن ذلك لا يقارب شعورنا بالخطر، وحتى عندما يأتي الخطر نتعامل معه كضحايا سلفاً حتى قبل أن يؤذينا، فنستسلم بسبب صاعقة حضوره على حين غرة، ونلجأ إلى الخيالات والوهم باحثين عن خشبة خلاص تقينا الفناء الفيزيائي، حيث أن هذه النوعية من الخلاص حصراً، هي نوعية ذنبية، بمعنى خاسر قبل المعركة، لا يحق له الجلوس إلى طاولة حتى الاستسلام، الذي يملى عليه إملاءً، فتظهر حكومة وجيش و«حدود»، ولكن هناك استحالات كثيرة تمنع هذه التركيبة أن تكون دولة.

والدولة الحديثة، أي ما انتهت المعرفة النظرية إليها، مدموجة مع التجارب الدولتية الواقعية والممارسة حالياً، هي أداة «تكنولوجية» تدير حياة الناس العامة بقوانين تصدرها تحمي حقوقهم وأمنهم، بمساواة تامة بينهم، وهي ليست شخصاً أو جماعة، مهما كانت الدمقراطية حقيقة، أو غلبة ذات قدرات خارقة (كوريا الشمالية مثالاً، مع التحفظ)، وهذا يعني بالضبط أنها ليست دولة، ناهيك عن فشلها أو نجاحها. و«ليست دولة» ليست كلمة عابرة بالفم، إنها ممارسات معلنة بحقها، قد تكون مجحفة أو لطيفة (كمعمل خيري!!) ولكن لا أحد برضاها من عدمه، لأن الدولة مكانة، ومن لا مكانه له ليس له دور أو حتى حقوق، لا داخل الحدود (فساد وإفساد وعمالة والخ)، ولا خارجها فمكانات الدول مصنفة في العالم، والدولة ليس لها مكان في التصنيف الإيجابي،( كأقوى عشر جامعات في العالم، أقوى عشر بسبورات في الكرة الأرضية، إلخ إلخ)، وهذه التصنيفات تعبيرا صارماً وحقيقيا على شغل الدولة الحديثة الحقيقية، أما تصنيفات مثل ( نوبل مع زويل ومحفوظ وأيضاً إلخ) فهي تصنيفات خيرية تطوعية تنظر بعين متعاطفة إلى شعب لا دولة حديثة له، أم التصنيف السلبي فينتج عن أمر صارم، (تعال إلى الميدان يا حديدان) حيث ترتعد الفرائص، ويتعالى النحيب والنقيق، حول عدم المساواة بين «البشر» الذين لا ذنب لهم بعدم حصول الدولة الحديثة لديهم، هؤلاء الأغنياء الجوعى، أو الموبوؤن بسبب الكوارث، المفلوح عليهم من قبل أجهزة الغلبة (المخابرات والجيش)، المسروقون بالفساد والإفساد، ومرة أخرى إلخ، فإنهم مختصون بأوسخ مدينة في العالم، وفي أعلى معدلات الرشوة، وفي المراتب الأولى للإخفاء القسري والاعتقال السياسي، أو في الاستجابة للكوارث المتنوعة، أرقام الهجرة وأسبابها، ومرة عاشرة إلخ. هذا ما يثبت عدم وجود دولة حديثة أو قديمة، مهما كانت التقدمات المناسباتية خاضعة لمقياس الخير، فالعطب هنا في التكنولوجية التأسيسية لهذا الاجتماع، ومن عادة الأعطاب أن تنتج الواحدة الأخرة متدحرجة ككرة ثلج، فإما أن تكون دولة بمعنى المكانة المعرفية والعملية أو لا تكون، فالحياة تمشي غير آبهة.

الأسف هنا يأتي بسبب تكرار المكرر، وتوضيح الواضح، وتجريب المجرب الفاشل، وهذا ما يوحي باليأس والقنوط بمعنى فالج لا تعالج، فهذا هو الموجود، إذا أعجبك فعش به، وإذا لم يعجبك فهاجر واعثر لنفسك على مكان آخر، وهذا بحد ذاته قول للادولة. فالدولة بدايةً تحفظ حق الوجود في الوطن وتحميه وتصونه. والأسف الآخر، هو الحق بالتقدم والتطور قانونياً وأخلاقياً و هذا يحدث في سياق الحرية (وليس الحريات الممنوحة) كحق أصيل لكل مواطن، ولكن اللادولة تسحق كل تطور وإرتقاء بسحقها للحرية من جوانب قانونية مزيفة ومضادة للقانون نفسه (أنظروا إلى أي دستور عربي وهو أبو القانون، وهو يتناقض منذ مادته الأولى التي تخص المساواة)، حيث يتحطم قبل بدء العمل به.

الناس في بلداننا جالسة على روث متعفن، يزداد تخمره يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، وجيل بعد جيل، لا نعرف لنجاح يوماً، ولا لإنتصار مؤشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *