غضب في «اسرائيل» وخيبة أمل لترامب
لينا شلهوب
أثار منح القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 موجة غضب في الكيان الصهيوني وخيبة أمل في البيت الأبيض. تلك القاضية التي اتهمت «اسرائيل» بارتكاب إبادة جماعية، في الوقت الذي يفشل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرة أخرى في الفوز بالجائزة التي كان يطمح إليها.
منح جائزة نوبل لبيلاي جاء تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، ولدورها المحوري في ضمان ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية. بالمقابل فإن مسؤولية اتخاذ قرار منح الجائزة لبيلاي ترتبط دون شك بسياسات حكومة العدو «الإسرائيلية» ومواقف الوزراء وأعضاء الكنيست والشخصيات الإعلامية التي دعا بعضها إلى ارتكاب جرائم حرب، فضلاً عن دعم الإرهاب والممارسات المناهضة للديمقراطية التي تطال القضاء والصحافة.
وتُعد الجائزة الممنوحة لبيلاي ضربة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يُخفِ، منذ عودته إلى البيت الأبيض في كانون الأول 2025، رغبته في الفوز بجائزة نوبل للسلام، وسعيه مراراً وتكراراً للحصول عليها، زاعماً أنه أنهى عدة حروب. وكان ترامب قد خسر بالفعل جائزة عام 2025 لصالح زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، واليوم يخسر جائزة عام 2026 لصالح قانونية تُعد من أشد منتقدي «إسرائيل». ويمكن القول إن ردة فعله إزاء نافي بيلاي تميز بالحدّة، إذ قلل من شأن هذه القاضية قائلاً إن الجائزة مُنحت «لشخصية لم يسمع بها أحد»، في انتقاد مباشر لقرار لجنة نوبل. ووصف قرار منحها الجائزة بأنه «وصمة عار لا تُمحى»، معتبراً أن الجائزة فقدت مصداقيتها. وقد عكست هذه التصريحات رفضه اختيار شخصية ارتبطت بمواقف حقوقية وانتقادات للاحتلال.
إلى ذلك، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية عقب فوز قاضيتها السابقة بالجائزة، في تطور أضاف بعداً جديداً إلى الجدل المحيط بالتكريم، وربط بين الخلافات السياسية والمواقف من المؤسسات القضائية الدولية.
على المستوى «الإسرائيلي» لم يكن مستغرباً أن يوجه رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو انتقادات حادة بعد الإعلان عن فوز بيلاي بجائزة نوبل للسلام، وهو المجرم الذي يقطر دماً وإجراماً ومجازر، يحاضر اليوم بالعفة وبالأخلاق، وبكل وقاحة يقول على منصة إكس فقدت لجنة نوبل بوصلتها الأخلاقية. لقد منحت أرفع جوائزها ل«متعصبة» ساهمت في «شيطنة اليهود». أما كافة المسؤولين الاسرائيليين فقد سارعوا بدورهم إلى إصدار تعليقات لا تقل تجنياً عن تعليق رئيس وزرائهم. فقد هاجمت وزارة خارجيتهم بيلاي، قائلة إنه «لو كانت هناك جائزة تُمنح للأكاذيب والكراهية، لكانت بيلاي في طليعة المتنافسين عليها». أبعد من ذلك اعتبرت أن منح بيلاي جائزة نوبل للسلام لا يمثل تكريماً للعدالة، بل «استغلالاً مشيناً للجائزة كسلاح لإضفاء الشرعية على الكراهية والتحيز ضد إسرائيل». من جانبه، قال سفير «إسرائيل» لدى الأمم المتحدة داني دانون أن قرار اليوم «إهانة لجائزة نوبل للسلام وإرث القادة الذين كرسوا حياتهم لتحقيق سلام حقيقي»، وتابع «هل الخطوة التالية منح الجائزة لحماس والقاعدة؟». ولم يقتصر إصدار التعليقات الغاضبة على هؤلاء فحسب، بل امتد إلى شخصيات «إسرائيلية» في مجالات القانون والإعلام.
وفي أول تعليق لها على فوزها بالجائزة، قالت بيلاي إن العالم يعيش «حقبة يتعرض فيها القانون الدولي وحقوق الإنسان لهجمات سياسية»، محذرة من تداعيات غياب سيادة القانون، ومؤكدة أن الجائزة تحمل رسالة بضرورة ضمان استقلالية المحاكم.
تاريخ نافي بيلاي البالغة من العمر 85 عاماً حافل بالمهام القانونية والحقوقية العليا فهي تتمتع بسجل طويل في مجال القضاء الدولي وحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وقاضية في المحكمة الجنائية الدولية. ناضلت خلال شبابها ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وعملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2003 و2008، وشاركت في محاكمات مرتبطة بالإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، وبين عامي 2021 و2025، ترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة التي خلصت في سبتمبر 2025 إلى أن «إسرائيل» ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، وأن مسؤولين «إسرائيليين» كباراً، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قد حرضوا على ذلك. لم تكتفِ بيلاي بإدانة الانتهاكات، بل طالبت بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم، داعية المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لمنع استمرارها، في وقت انتقدت فيه ما وصفته بالتقاعس الدولي عن اتخاذ خطوات فاعلة لحماية المدنيين وضمان حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير.
من الأهمية بكان أن نذكر أن نافي بيلاي نشأت في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري. وهي ابنة سائق حافلة ترعرعت في حي فقير تقطنه جالية من أصول هندية بمدينة ديربان. في عام 1967، أصبحت أول امرأة تؤسس مكتباً للمحاماة في إقليم ناتال، ثم أصبحت لاحقاً أول امرأة غير بيضاء تُعيّن قاضية في المحكمة العليا في جنوب أفريقيا. وكانت في بدايات مسيرتها، تولّت الدفاع عن ناشطين مناهضين لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ما يضعها ضمن قائمة الشخصيات الجنوب أفريقية التي حظيت باعتراف دولي لدورها في الدفاع عن السلام والحقوق والحريات.
بفوزها بجائزة نوبل للسلام أصبحت نافي بيلاي خامس شخصية من جنوب أفريقيا تفوز بهذه الجائزة بعد شخصيات بارزة من بينها نيلسون مانديلا ورئيس الأساقفة ديزموند توتو.

