نظام مارديني
لم يعرف الإغريق ولا اللاتين ولا فلاسفة العصور الوسطى كلمة «إعلام» بالمعنى الذي نفهمه اليوم، لكنهم خاضوا في جوهره دون أن يسمّوه. ومنذ أن قال هيغل إن الصحف هي صلاة الصباح للعصر الحديث، دخل الإعلام في صميم التفكير الفلسفي حول المجتمع والسلطة والوعي.
السرديات المتناقضة
في ظلّ التطورات التكنولوجية المتسارعة، تلعب وسائل الإعلام دورًا محوريًّا في تعزيز وعي الجمهور بالقضايا الهامة التي تؤثر على السرديات المتناقضة. وفي المقابل، تبرز مخاطر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال هذه السرديات. وفي ظل تحديات تقنيات الذكاء الاصطناعي، سيتطلب الأمر التزامًا تامًّا ومسؤولية عالية في كشف الحقائق وتوعية الجمهور. كما يتعين على الإعلام تسليط الضوء على المخاطر التي تفرضها هذه التقنيات، مثل التزييف العميق ونشر المعلومات المضلّلة التي تصيب المتلقي وتجعله يعيش حالة «زوغان» تركته في حالة من الضياع.
وشكّل التدفّق الهائل والمفرط للمحتوى الإعلامي خطرًا لا يقلّ أثرًا وعمقًا عن الأوبئة الصحية أو الأزمات الاقتصادية أو الاضطرابات السياسية، وأصبحت المشكلة في غياب القدرة على التمييز بين المحتوى الصحيح والمضلّل. ومع دخول الذكاء الاصطناعي في كل مفاصل الحياة، شهد العالم تحوّلاً جذريًّا في المشهد الإعلامي، وأصبحت «السوشيال ميديا» بيئة شاملة تُنتج وتُستهلك فيها المعرفة بسرعة غير مسبوقة. كما تحولت منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، تويتر/ إكس، إنستغرام، وتيك توك إلى مصادر المعلومات الرئيسية للملايين، والتي يُقدَّر عدد مستخدميها بنحو ست مليارات شخص في مختلف دول العالم. وحيث أصبحت الحقائق الموضوعية المدعومة بأدلة علمية أقلّ تأثيرًا في تشكيل الرأي العام مقارنة بالعواطف الشخصية والمعتقدات المسبقة والسرديات التي تعزف على وتر الانطباعات العابرة، وما يمكن تسميته بـ «الإنفوميديا» (Infomedia). في هذا الفضاء الجديد، تختلط المعلومة بالترفيه، والخبر الجاد بالرأي السطحي، والتحليل العميق بالعاطفة الجياشة. ولم يعد الخطر محصورًا في غياب المعلومة، بل في غياب القدرة على التمييز.
منذ سنوات غيّرت ثورة الاتصالات الكثير من حياتنا وأطاحت بالكثير من المسلَّمات والبديهيات، وأصبح التفريق بين الحقيقة والخيال غير ممكن إن لم يكن مستحيلاً، وأصبحت الخيوط الفاصلة بين الحقيقة والخيال لشدة ضبابيتها تلتف حول أعناقنا ولا نستطيع الفكاك منها..
الصحافة الورقية التي تعيش لحظات اندثار حبرها الذي امتازت به، والمحطّات الإذاعية لم تعد كسابق عهدها، من حيث الجماهيرية وبالتالي التأثير، والتلفزيون بدل أن يبقى لسانًا واحدًا في كلّ دولة أصبح له عدّة ألسن وعبَر تخوم الجغرافيا والزمن التي كان يرتدي معطفها.
فيما مضى من «الزمن الجميل»، كانت الصحف الورقية أو المجلات الإخبارية الرئيسية هي المصدر الأساسي للأخبار والمعلومات.. اليوم، أصبح أمام الناس خيارات متعددة بفضل الإنترنت، وبالوسيلة التي يفضلونها، كتويتر أو فيسبوك أو يوتيوب.
صراخ في صناعة الحدث
في ظلّ الغضب الدولي «المكتوم» من العدوان الذي يشنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران مثلاً، تتأثر وجهات النظر في الشرق الأوسط بشأن النزاع بمواقف المنطقة تجاه الغرب نفسه.
قبل عقود ليست طويلة، كان أكثر من خيط يفصل بين الحقيقة والخيال. أحيانًا تكون مرئية وواضحة شديدة الوضوح، وأحيانًا تكون ضبابية تحتاج إلى تركيز أكبر لاكتشافها، لكنها رغم ذلك تبقى حقائق أو خيالاً عند تصنيفها.. قبل هذه العقود، وأتحدث عن وسائل الإعلام، من صحافة مطبوعة ومن بثّ تلفزيوني ومن إذاعات، وما بينها من إعلانات تقوم بتسويقها.
إذا كانت وسائل الإعلام والاتصال تصنع لنا حياة متخيّلة قبل عقود وتتيح لنا الهرب لها عبر خيالنا، إلا أنها في الزمن الراهن أخذت تصنع واقعًا افتراضيًّا نهرب منه ولا يمكن أن نلجأ اليه، لأنه واقع مخيف وإن كان متخيلاً.
إن وسائل الإعلام والاتصال لا يمكن لها أن تصنع حدثًا وتنجح في تسويقه من دون قراءة حقيقية ودقيقة لحاجات ورغبات المتلقي، ولا يكفي الضجيج والصراخ في صناعة الحدث من دون رؤية لما يريده هذا المتلقي، خصوصًا وأن وظيفة الإعلامي لم تعد في السنوات الأخيرة، مقتصرة على نقل الخبر أو تحليله أو وضعه في سياقه الصحيح، حيث ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة جديدة تتمثل في تخصيص مقاطع فيديو ومنشورات طويلة لشرح أخبار وتصريحات وقرارات حكومية أو سياسية أو إدارية، رغم أنها في كثير من الأحيان تكون واضحة في مضمونها، ولا تحتمل أكثر من تفسير واحد.
وقد رصدت دراسات حديثة أن المنصات الرقمية أصبحت البوابة الأولى للأخبار لدى شرائح واسعة من الشباب، بينما أخذت المؤسسات الإعلامية التقليدية تفقد دورها بوصفها الحارس الرئيس للمعلومات. وفي المقابل، ازدادت مكانة المؤثرين وصنّاع المحتوى، رغم أن كثيرًا منهم لا ينتجون أخبارًا أصلية، بل يعيدون تفسير الأخبار وفق رؤاهم الشخصية، وهو ما يضاعف احتمالات الانتقائية والانحياز.
عناصر بناء الحقيقة
غالبًا ما تتصدّر دول العالم العربي المراتب الأولى في التقارير الدولية التي ترصد المناطق الأخطر على الصحفيين والإعلام بصورة عامة، كما تكاد تنعدم (في أغلبها) نسبة المقارنة بينها وبين دول العالم المتقدّم (وحتى الدول النامية) حول حرية الإعلام والتعبير عن الرأي من دون التعرّض إلى المضايقة والتضييق، والتي تختلف درجاته من التهديد والاعتداء الجسدي وصولاً إلى الاعتقال والسجن والتصفية الجسدية، والغريب في الأمر، أن نسب اضطهاد الصحفيين والتضييق على الإعلام وتسيسه لصالح جهات حكومية، قد ارتفعت بشكل ملحوظ بعد أحداث ما يسمى بـ «الربيع العربي» في الدول التي تمّ تغيير أنظمتها وإسقاط دولها المركزية.
في الدول المتطوّرة يمارس الإعلام نشاطه على أنه أحد الأركان الرئيسية لبناء الدولة ونهضتها. ولا تكتمل النظرة النموذجية تجاه الصحافة كمؤسسة رقابية لها القول والفعل، إلا بوجود حريات حقيقية ومعطيات قانونية تحميها. ومن جانبه، يصرّ الإعلام على التمسّك باللوائح والمواثيق التي تحفظ مصادر قوّته، ومنها مباديء العمل الصحفي والتمسّك بالقوانين التي ترعاها. كلاهما يشكّلان أدوات قيمية ضاغطة، يستطيع من خلالهما أن يمارس تأثيره في الحياة العامة على الدولة والمجتمع. إلّا أن الكثير من الإعلام العربي يفتقر كلّ هذه المقوّمات بسبب انزلاقه سياسيًّا باتجاه الولاء للحزب أو الطائفة، الأمر الذي جعل منه جهازًا غير مستقلّ ولا تطلّعات ريادية له.
الإعلام وأسطورة الكهف
لقد أدركت الدول الكبرى منذ عقود أن السيطرة على تدفّق المعلومات لا تقلّ أهمية عن السيطرة على مصادر الطاقة أو خطوط التجارة. فالخبر الذي يصل أولاً يمتلك فرصة أكبر لترسيخ نفسه في الوعي الجمعي، حتى لو أثبتت الوقائع لاحقًا أنه كان ناقصًا أو مضلّلاً أو منحازًا… ولهذا أصبحت المنافسة الدولية تدور حول احتكار «الرواية الأولى»، لأن الرواية الأولى غالبًا ما تتحول إلى الحقيقة الأكثر رسوخًا في أذهان الجمهور.
الحقيقة أن سيطرة وسائل الإعلام على الحياة المعاصرة تشبه أسطورة الكهف عند أفلاطون الذي يذهب إلى أن عالمنا المحسوس الذي نعيشه ما هو إلا ظلالاً وأخيلة للمثل والحقائق الموجودة في عالم المثل، العالم العقلي العالي على المحسوسات. وحيث يلتف الناس حول وسائل الإعلام ويظلون مقيدين أمامها تمامًا مثلما كان أهل الكهف مقيدين داخله.
واليوم، في زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، تتكرّر أسئلة الكهف الأفلاطوني على نحوٍ رقمي: هل نرى الواقع فعلاً، أم نعيش في ظلالٍ تُعيدها إلينا الشاشات؟
وهكذا تؤكّد الفلسفة، عبر قرونها الطويلة، أن الكلمة لا تفقد معناها مهما تغيّرت وسائطها، وأن الحقيقة ستظلّ المعركة الكبرى للإعلام والإنسان معًا.
في الختام نؤكد أن «المعرفة» هي القوة التي تقود إلى الحقيقة، لكن لا يستطيع أن يحمي الحقيقة إلا من يمتلكها.

