د. شوقي يونس
يفتح مقال الرفيق شحادة الغاوي في مجلّة «صباح الخير» الشهية على نقاشٍ نراه فائق الأهمية، حول انبثاق السلطة في الحزب السوري القومي الاجتماعي.
وحيث نتّفق معه على وجوب تجاوز المجلس القومي بصيغته القائمة، وعلى ضرورة التحقق من أهلية المرشحين لتولي المسؤوليات العليا بواسطة سلطة قضائية دستورية. لكن الاتفاق على نقد المؤسسة القائمة لا يعني الاتفاق على البديل؛ إذ يقترح الغاوي انتخاب المجلس الأعلى مباشرة من جميع أعضاء الحزب، فيما نرى أن الإصلاح يقتضي بناء هيئة تعبيرية قائمة على التأهيل، ضمن نظام دستوري يضبط شروط الرتب والوظائف ويكفل استقلال القضاء.
جوهر الخلاف هو قوله إن الانتخاب لا يحتاج إلى مؤهلات علمية أو معرفية، وإن الأهلية يجب أن تتوافر في المرشحين وأصحاب السلطة وحدهم. فهذا القول يعفي عملية الاختيار من مقتضياتها، مع أنها تحدد من يتولى السلطة وكيف تتجه. وإذا كانت ممارسة المسؤولية تحتاج إلى أهلية، فكيف يصبح اختيار من يمارسها فعلاً لا يحتاج إلى معرفة أو قدرة على التقدير؟
لا نتحدث عن شهادات جامعية أو امتيازات اجتماعية، بل عن فهم العقيدة والنظام، وإدراك المصلحة العامة، والقدرة على تمييز من يصلح للتعبير عنها. وهذه معرفة لا تمنحها ورقة الاقتراع، ولا يكفي لإثباتها تسجيل الاسم في سجلات العضوية.
يقول سعاده في «الزعيم في سانتياغو»، المنشور في «سورية الجديدة» بتاريخ 1940/5/25: «إنّ الأمم كلها تريد الخير والفلاح. ولكن المشكل هو في إيجاد التعبير الصالح عن هذه الإرادة». ويصل في السياق نفسه بين سلامة التعبير ووضوح الفكرة وصلاح القيادة.
هنا موضع البحث: كيف تتوافر صلاحية التعبير، وكيف تتحقق صلاحية القيادة؟ إن صلاح القيادة يستوجب التثبت من أهلية المرشح، ثم المفاضلة بما يُعرف عنه من نضال ونزاهة وحنكة وحسن أداء. أما وضوح الفكرة، فنرى أن مقتضاه في بناء الهيئة الناخبة هو أن يمتلك المشاركون فيها القدرة على إدراك المصلحة العامة والتعبير عنها. ولهذه الغاية اقترحنا، في دراستنا عن «النظام البديع» ومشروع استكمال البناء الدستوري، رتبة «المؤهل العام»، بوصفها إثباتاً لأهلية محددة، تُمنح وفق شروط، وتخضع للتحقق.
والرفيق الغاوي محق في أن استيفاء شروط الأهلية يجب أن يسبق الانتخاب، لكنه لا يصيب حين يفصل الاختيار عن المفاضلة في الكفاءة، ويجعله مجرد قياس للقبول والثقة والتأييد. فالمؤهلون لا يتساوون بالضرورة في الخبرة والحنكة والقدرة على تحمل المسؤولية. ومنحهم حق الترشح يثبت استيفاءهم شروطاً لازمة، بينما يبقى على الهيئة الناخبة أن تقدّر أيّهم أصلح للمهمة. والثقة الواعية ثمرة هذا التقدير.
أما التشدد في أهلية المرشحين للمجلس الأعلى، فله أصل قائم في شروط رتبة الأمانة. لقد ربط المرسوم السابع هذه الرتبة بالفهم العقائدي والنزاهة والنضال والتضحيات وحسن القيام بالمسؤوليات، وبالشجاعة والإقدام والحنكة، ونص على فقدانها عند الإخلال بشروطها أو استخدامها لغير مصلحة الحزب.
وانطلاقاً من الارتباط المستقر بين رتبة الأمانة وعضوية المجلس الأعلى، تكون المهمة الملحّة إعادة الاعتبار إلى مضمون الرتبة والتحقق من استحقاقها. وهذا ما اقترحناه بإسناد منحها، وسائر رتب التأهيل، إلى دائرة مختصة في المحكمة العليا؛ حتى يصبح التأهيل محكوماً بمعايير معلومة وقرارات معللة، بعيداً عن المحاباة والحاجة إلى تكوين أكثرية موالية.
هنا أيضاً يتضح سبب تأييدنا إلغاء المجلس القومي. فالمشكلة تتجاوز الانتخاب بالواسطة إلى سلامة تكوين الجسم الناخب نفسه. حين يُتساهل في التحقق من شروط العضوية العامة، بالتوازي مع منح رتبة الأمانة لمن لا يستوفون شروطها، ينشأ جسم انتخابي لا يمكن الاطمئنان إلى سلامة تعبيره.
ولذلك فإن نقل انتخاب المجلس الأعلى إلى جميع الأعضاء مباشرة لا يزيل أصل المشكلة. إنه يغيّر طريق الوصول إلى السلطة، ويبقي التساؤل عن أهلية الجسم الذي ينشئها قائماً. كما أن التدقيق في المرشحين وحدهم يترك نصف المسألة دون معالجة: من يتحقق من صلاحية الاختيار الذي سيُجرى بينهم؟
ولا يعني هذا حرمان العضوية العامة من الحقوق الانتخابية. فقد نص المرسوم الرابع على انتخاب لجان المديريات، وأقام لها وللمجالس المحلية وظائف محددة.. وفي تقديرنا، تتناسب هذه المشاركة مع نطاق المتحد المحلي، حيث يعرف الأعضاء بعضهم بعضاً، ويعاينون أعمالهم وسلوكهم، ويستطيعون تقدير أهلية من يختارون لمهمة محدودة النطاق.
أما اختيار السلطة التشريعية العليا ورئاسة الحزب، فيتناول مسؤوليات تتجاوز شؤون المتحد المحلي إلى مصلحة الحزب والأمة. ومن ثم فإن تعميم قاعدة الاختيار المحلي على إنشاء السلطة العليا يحتاج إلى تبرير، ولا يكفي القول إن الانتخاب حق للجميع لإلغاء الفروق بين طبيعة المهمات وشروط أدائها.
وفي نقد الانتخاب بالواسطة، يعترض الرفيق الغاوي على أن يختار العضو ممثلاً إلى المجلس القومي، ثم يتولى هذا الممثل انتخاب المجلس الأعلى وفق تقديره الخاص. ويمكن تفهّم هذا الاعتراض على الآلية القائمة، لكن إسقاطها لا يحصر البدائل في الاقتراع العام. فالهيئة التعبيرية العليا التي نقترحها، والمؤلفة من مجلس الأمناء ومجلس المؤهلين العامين، تقوم على إثبات أهلية التعبير؛ وليست إعادة تسمية للمجلس القومي أو إعادة إنتاج لتفويضه الانتخابي المتسلسل.
وكذلك الأمر في الاستناد إلى مرسوم الطوارئ لسنة 1936. فهو ينظم معالجة ظرف استثنائي، ويعهد إلى مجلس المندوبين باختيار إدارة بديلة عند اعتقال الإدارة القائمة.. والاعتراض على تحويل هذه الآلية إلى نظام دائم لا يثبت وجوب الاقتراع العام المباشر. كما أن بناء الهيئة التعبيرية المقترحة لا يتوقف على تعميم ذلك المرسوم؛ إذ يقوم تبريره على أهلية التعبير وتكامل المؤسسات.
أما القول إن الانتخاب طريقة من طرق الانتقاء، فيمكن قبوله دون أن يحسم الخلاف. فالسؤال يبقى: من يمارس الانتقاء، وبأي أهلية، وضمن أي ضمانات؟ وكذلك فإن الثقة التي قام عليها التعاقد مع سعاده لا تحدد، بذاتها، آلية انتخاب جميع المؤسسات بعده.
ويثير الرفيق الغاوي مسألة مهمة حين يتناول ضعف الرقابة على المجلس الأعلى. لكن انتخاب المجلس مباشرة لا ينشئ قضاء مستقلاً ولا يضع آلية لمساءلته. علاج هذه الثغرة يقتضي استكمال البناء الدستوري، وتحديد حدود السلطات وضمانات الرقابة، بحيث تخضع المؤسسات للدستور ويملك القضاء صلاحية حمايته.
من هنا، فإن مدخل وحدة القوميين الاجتماعيين هو الاتفاق على إصلاح دستوري يؤمن العدالة في الحقوق والواجبات، ويعيد الثقة بالمؤسسات. ولا يلزم أن يكون الاقتراع العام شرط هذا الاتفاق؛ فالبديل الذي ندعو إليه يربط الاختصاص الانتخابي بالتأهيل، ويصون حقوق العضوية، ويجعل الرتب محكومة بشروطها، ويضع التحقق منها في عهدة قضاء مستقل.
نؤيد إلغاء المجلس القومي، ونؤيد التشدد في أهلية المرشحين. لكننا نرى أن سلامة انبثاق السلطة تستوجب أيضاً أهلية من يشاركون في اختيارها. فالإصلاح يكتمل حين تتصل أهلية القيادة بأهلية التعبير، وتصبح الثقة حصيلة معرفة وتقدير، ويقوم النظام على مؤسسات قادرة على صون هذه العلاقة.

