د. ادمون ملحم
في حياة الأحزاب والحركات الكبرى، قد يبرز أشخاص يتمتعون بالمكانة والنفوذ والتاريخ النضالي، فيلتف حولهم الأنصار ويُعجب الناس بأدوارهم وإنجازاتهم. وهذا أمر طبيعي ما دام التقدير قائمًا على الإخلاص والكفاءة والعطاء. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التقدير إلى ولاء شخصي، وتصبح مواقع المسؤولية أهم من المبادئ، ويُختزل الحزب في أشخاص بدل أن يكون الأشخاص في خدمة قضيته.
لقد أدرك أنطون سعاده خطورة هذه المسألة، وميّز بوضوح بين الحزب الذي يقوم على قضية قومية كبرى، والأحزاب التي تقوم على المصالح والغايات الشخصية. ففي تصريح أدلى به في دمشق سنة 1948، أعلن موقفًا لا يحتمل الالتباس:
«نحن حزب قضية لا حزب أشخاص».[1]
هذه الكلمات القليلة تختصر مفهومًا عميقًا للالتزام القومي الاجتماعي، وتضع أمام كل قومي، مسؤولًا كان أم عضوًا، سؤالًا أساسيًا: لمن يكون ولاؤنا؟ للقضية التي آمنا بها وتعاهدنا على خدمتها، أم للأشخاص الذين يتولون المسؤوليات باسمها؟
_القضية فوق المصالح الشخصية
في خطابه في جل الديب، في 22 شباط 1948، أوضح سعاده أن الحزب لم ينشأ لخدمة غايات فردية أو جزئية، بل لتحقيق غاية الشعب بأسره. ولم يستثنِ نفسه من هذا المبدأ، إذ قال:
«نحن في الحزب السوري القومي الاجتماعي ليس لنخدم أغراضًا خاصة لشخص اسمه أنطون سعاده».[2]
ثم أكد أن قيمة الأشخاص في الحزب تنبع من تعبيرهم عن الحقيقة القومية الكبرى وعملهم على تحقيقها.
وما أعمق هذا الموقف! فسعاده، مؤسس الحزب وصاحب الدعوة، لم يجعل من شخصه الغاية التي تدور حولها الحركة، بل وضع القضية فوق الاعتبارات الشخصية، وربط قيمة العمل النضالي بما يقدمه لتحقيقها.
وفي احتفال الأول من آذار سنة 1942 في بوينس آيرس، أعلن:
«إن الأشخاص يجيئون ويذهبون ويتبدلون، ولكن العقيدة هي الأساس الراسخ، الثابت على الأيام والسنين والعقود والأجيال».[3]
ولم يقف عند هذا الحد، بل أكد أن العقيدة والنظام هما المعيار الذي تُقاس به مواقف الأفراد، لا أن يكون الأفراد معيارًا للحكم عليهما.وهكذا تتحدد قيمة المسؤول بما يقدمه للقضية، لا بما يحتله من موقع. والإخلاص الحقيقي لسعاده لا يكون بتقديس الأشخاص أو الدفاع عن أخطائهم، بل بالوفاء للعقيدة التي وضعها والغاية التي نذر حياته لتحقيقها.
-كرامة الأشخاص من كرامة الحزب
لكن القول إن الحزب قضية لا أشخاص لا يعني التقليل من قيمة الإنسان أو الانتقاص من كرامته. فالحزب ليس كيانًا مجردًا منفصلًا عن أعضائه، بل جماعة منظمة تجمعها العقيدة، والإرادة، والعمل، والتضحيات.
وكرامة الأشخاص من كرامة الحزب، كما أن كرامة الحزب من كرامة أعضائه.
وفي رسالة إلى غسان تويني، أكد سعاده حرصه على «كرامة المعاونين جميع الرفقاء وعلى كرامة قيمة الفكر والشخصية الإنسانية في كل إنسان».[4] إنها عبارة تكشف أن احترام النظام لا ينفصل عن احترام الإنسان وحقوقه وكرامته.
ومن هنا، فإن صون حقوق الرفقاء، وتقدير تضحياتهم، واحترام آرائهم وكرامتهم الإنسانية والنضالية، ليست مسائل ثانوية، بل من مقتضيات الأخلاق القومية الاجتماعية.
لكن احترام الأشخاص شيء، وتحويلهم إلى مراكز ولاء تعلو على القضية والنظام شيء آخر. فالمسؤول يُقدَّر لتضحياته وعطائه، لكنه لا يصبح فوق النقد والمساءلة، ولا يجوز أن تتحول مكانته إلى وسيلة للهيمنة على الآخرين.
لا أحد فوق النظام والمؤسسات
إن الأشخاص، مهما علت مكانتهم وتعاظمت مسؤولياتهم وتجلّت تضحياتهم، ليسوا فوق النظام والمؤسسات. ولا تمنحهم مواقعهم أو أدوارهم النضالية حق تجاوز الصلاحيات أو التفرد بالقرارات أو فرض إراداتهم الشخصية على الإرادة المؤسساتية.
فالمسؤولية الحزبية ليست امتيازًا شخصيًا، بل أمانة قومية وواجب يقتضي الإخلاص للعقيدة، واحترام النظام ،والخضوع للمساءلة والمحاسبة.
وقد جسّد سعاده هذا المفهوم في رسالة إلى المنفذ العام لفرع المكسيك، في 14 آب 1941، إذ قال:
«إن المؤسسة أهم من الأشخاص، ومؤسسة المنفذية هي من المؤسسات الرئيسية التي يجب ألا تبقى حياتها معلقة على حياة فرد واحد».[5]
لقد أراد مؤسسات تضمن استمرار العمل حتى في غياب الزعيم نفسه. فالحزب القوي لا تتوقف حياته على شخص، مهما بلغت كفاءته، بل تستمر بفضل نظامه ومؤسساته وإرادة أعضائه.
واحترام المؤسسات لا يعني السكوت عن أخطائها، بل العمل على تصحيحها بالوسائل النظامية، وتطبيق القواعد على الجميع دون استثناء. فالمؤسسات تستمد قوتها من انتظام عملها، واحترام صلاحياتها، وخضوع المسؤولين فيها للمحاسبة، لا من حصانتهم تجاه النقد والمساءلة.
فلا قيمة لنظام يُطبَّق على الضعفاء ويُستثنى منه الأقوياء، ولا معنى لمؤسسات تُحترم عندما توافق رغباتنا ويُطعن فيها عندما تخالفها.
الإخلاص للقضية لا للأشخاص
إن القومي الاجتماعي الواعي لا يخاصم الأشخاص لمجرد اختلافه معهم، ولا ينكر فضل من خدموا الحزب وضحّوا في سبيله. لكنه لا يساوم على المبادئ إرضاءً لأحد، ولا يقبل أن يُختزل الحزب في مسؤول أو مجموعة أو تيار.
والوفاء الحقيقي لا يكون بالصمت عن الأخطاء، ولا بالمشاركة في الخصومات والتخوين، بل بالموقف المسؤول الذي يصون الحقيقة والكرامة ووحدة الحزب، ويعمل على تصحيح الخلل بالوسائل المشروعة.
وقد حذّر سعاده من الاعتقاد بأن تبديل الوجوه يكفي للإصلاح، فقال: «إن إبدال أشخاص بأشخاص لا يغيّر السياسة الشخصية المسؤولة عن تعثرنا».[6]
فالعبرة ليست بمن يتولى المسؤولية وحده، بل بالنهج الذي يحكم ممارستها. وقد يتغير المسؤولون وتبقى الأخطاء نفسها إذا ظلت الذهنية الفردية والمصالح الشخصية تتحكم في القرارات. أما الإصلاح الحقيقي فيبدأ بتغيير النهج، وترسيخ الأخلاق القومية، وتفعيل المؤسسات، وإخضاع الجميع للمبادئ والنظام.
ـ القضية أمانة في أعناقنا
لقد أراد سعاده حزبًا يحمل قضية حياة لأمة، لا تجمعًا يتنافس أعضاؤه على المواقع والمكاسب. وأراد القوميين أصحاب إيمان وإرادة وأخلاق، يعرفون أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن التضحية للقضية مقياس الإخلاص الحقيقي.
واليوم، ونحن نواجه تحديات داخلية وقومية كبيرة، تزداد حاجتنا إلى استعادة هذا المعنى الأصيل للانتماء. فليس المطلوب أن نتفق على الأشخاص، بل أن نتفق على المبادئ؛ وليس المطلوب إلغاء اختلافاتنا، بل الاحتكام في معالجتها إلى النظام والمؤسسات.
فلنصن كرامة رفقائنا، ولنحترم مؤسساتنا، ولنقدّم المصلحة القومية على كل مصلحة شخصية، ولنجعل من اختلافاتنا حافزًا للإصلاح لا سببًا للتفكك.
ولتكن القضية دائمًا فوق الأشخاص، وليكن الأشخاص جميعًا في خدمتها، متساوين أمام نظامها، متضامنين في مسؤولية النهوض بها.
فبهذا الإيمان نحفظ الحزب، ونصون كرامته، ونبقى أوفياء لسعاده وللأمة التي نذر حياته من أجلها.
[1] أنطون سعاده، «رحلة الزعيم إلى دمشق»، 15 آذار 1948، النشرة الرسمية للحركة القومية الاجتماعية، العدد 7، 30 آذار 1948.
[2] أنطون سعاده، «خطاب الزعيم في جل الديب»، 22 شباط 1948، النشرة الرسمية، العدد 7، 30 آذار 1948.
[3] أنطون سعاده، سعاده في أول آذار، «الاحتفال بمولد الزعيم في بوينس آيرس 1942»، من إصدارات الحزب السوري القومي الاجتماعي، طبعة 1956، ص 68.
[4] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الحادي عشر، «إلى غسان تويني»، 01/11/1946.
[5] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد العاشر، «إلى المنفذ العام لفرع المكسيك»، 14 آب 1941.
[6] أنطون سعاده، «مجموع أشخاص يساوي قضايا شخصية»، كل شيء، العدد 109، 29 نيسان 1949.

