د. طارق سامي خوري ـ عضو سابق في البرلمان الأردني
منذ السابع من أكتوبر، مرورًا بالحرب على جنوب لبنان، والحرب على إيران، وصولًا إلى الحرب على أنصار الله في اليمن، دخلت المنطقة مرحلة لم تعد فيها المواقف قابلة للاختباء خلف الشعارات والخطابات الدبلوماسية.
لقد كشفت هذه المرحلة من يمتلك قرارًا مستقلًا، ومن يدفع ثمن موقفه، ومن اختار الارتهان والخضوع، كما كشفت حجم التأثير الذي يمارسه الكيان الصهيوني وحلفاؤه في سياسات المنطقة ومواقف دولها وخطاب بعض مسؤوليها.
إن قراءة المشهد تقود إلى سؤال أساسي: ماذا يحدث لكل دولة أو قوة ترفض الخضوع للكيان الصهيوني، وتقرر مقاومته أو مواجهته؟
وهنا لا يمكن تجاوز الحالة السورية.
سوريا كانت، لعقود، في موقع العداء والمواجهة مع الكيان الصهيوني، وداعمة لقوى المقاومة في المنطقة. وما آلت إليه سوريا بعد سنوات الحرب والصراع والتدخلات الإقليمية والدولية يجعل المشهد، أكثر وضوحًا: عندما تُستنزف دولة كانت جزءًا من جبهة المواجهة، وتُفكك عناصر قوتها، وتتغير معادلاتها وتحالفاتها، فإن المستفيد الاستراتيجي من إضعافها معروف.
والأمر لا يتوقف عند سوريا وحدها، انظروا إلى لبنان، وإلى إيران، وإلى أنصار الله في اليمن، واسألوا السؤال نفسه: لماذا تتجمع الضغوط والحروب والحصار حول القوى التي تضع مواجهة الكيان الصهيوني في صلب مشروعها السياسي والعسكري؟
لا يمكن فصل الاحداث في هذه الساحات عن بعضها،اذ يمكن رؤية خيطً سياسيً واستراتيجيً يربط بينها، مع اختلاف ظروف كل دولة وتعقيدات كل ساحة.
المطلوب، في النهاية، ليس القضاء على سلاح فقط؛ بل القضاء على فكرة المقاومة نفسها، وعلى أي نموذج قومي أو وطني مستقل يمكن أن يدفع الشعوب إلى المقارنة بين من يتمسك بقراره ويدفع ثمنه، وبين من يختار السلامة لتجنب المخاطر ولو كان ثمنها الارتهان.
لذلك، عندما نريد أن نفهم ما يجري، لا يكفي أن نسأل: من يُحارَب؟
بل علينا أن نسأل أيضًا:
لماذا يُحارَب؟ ومن يحاربه؟ ومن يستفيد من إضعافه؟ وما موقفه أصلًا من الكيان الصهيوني؟
منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم، لم تتغير المنطقة فقط…
بل انكشفت المواقف، وسقطت أقنعة كثيرة، وأصبح من الصعب على أحد أن يقف أمام المرآة ثم يدّعي أنه كان في المكان الذي لم يكن فيه.


