د. نبيلة غصن
لم تعد المسألة في سوريا الشام مجرد سقوط سلطة وصعود سلطة أخرى، ولا مجرد تبديل في الوجوه والشعارات. ما جرى هو تحول استراتيجي في موقع سوريا الشام داخل الصراع الإقليمي؛ تحول يثير أسئلة كبرى حول الجهة التي دفعت بهذا المسار، والأهداف التي تقف وراءه، ومصير القرار السوري.
لسنوات، كانت سوريا الشام جزءاً من تحالف إقليمي عُرف بـ«محور المقاومة»، في مواجهة المشروع الصهيوني والنفوذ الأميركي في المنطقة. ثم جاء التحول الكبير مع سقوط سلطة بشار الأسد وصعود أحمد الشرع، المعروف ب (ابي محمد الجولاني) سابقاً وسط دعم وتأييد من قوى إقليمية ودولية، وفي مقدمتها تركيا والولايات المتحدة.
السؤال: إلى أين تُدفع سوريا الشام؟
وهل نحن أمام تغيير داخلي فحسب، أم أمام عملية إعادة تموضع جيوسياسي تنقل دمشق من موقع إلى موقع، ومن محور إلى محور؟ من تحالف المقاومة إلى إعادة التموضع؟
ليس المطلوب تبرئة التجربة السابقة من أخطائها أو تحويلها إلى نموذج مثالي. لكن من الضروري التمييز بين النقد السياسي وبين تزوير طبيعة الاصطفاف الإقليمي.
فوجود إيران وحزب الله في سوريا الشام كان جزءاً من تحالف إقليمي أوسع عُرف بمحور المقاومة، وكانت فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني إحدى ركائزه الأساسية.
أما التحول الحالي، فيبدو في اتجاه مختلف تماماً، فالسلطة الجديدة لا تصل إلى الحكم في فراغ جيوسياسي، بل في بيئة إقليمية ودولية تتقاطع فيها المصالح التركية والأميركية والغربية، بينما تستفيد القوى المناهضة لمحور المقاومة من إعادة ترتيب المشهد السوري.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل يجري إخراج سوريا الشام من معادلة المقاومة وإدخالها تدريجياً في منظومة إقليمية أقرب إلى المحور الصهيوني؟ وهنا جوهر الصراع.
الجولاني: تبديل الصورة أم تبديل الموقع؟
المفارقة أن الرجل الذي ارتبط اسمه سابقاً بجبهة النصرة والتنظيمات الجهادية المسلحة أصبح يُقدَّم اليوم في بعض الأوساط الدولية والإقليمية بوصفه رجل مرحلة انتقالية وشريكاً في إعادة بناء الدولة.
لكن التحول الأخطر ليس في صورة الرجل وحدها، بل في الموقع الذي يُعاد وضع سوريا الشام فيه.
فإذا كان تغيير الخطاب السياسي قد رافقه انفتاح على قوى كانت تعتبر دمشق جزءاً من خصومها، وإذا تزامن ذلك مع تحولات في العلاقات الإقليمية والأمنية، فإن السؤال المشروع يصبح: هل تغيرت السلطة فقط، أم تغيرت وظيفة سوريا الشام في الصراع الإقليمي؟
تركيا: اللاعب الذي يزداد نفوذه بصمت
في قلب هذه المعادلة يقف النفوذ التركي، فتركيا لم تعد مجرد دولة مجاورة تملك مصالح أمنية في سوريا الشام. واتساع حضورها السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي، وتداخل مصالحها مع السلطة الجديدة، يجعلان من أنقرة لاعباً مركزياً في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة وهي لا تحتاج إلى إعلان وصاية رسمية كي يصبح نفوذها مؤثراً في القرار السوري، يكفي أن تتوسع قدرتها على التأثير في بنية السلطة، وفي الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وفي خيارات السياسة الخارجية يبقى السؤال هل تستطيع دمشق أن تتخذ قراراً يتعارض مع المصالح التركية إذا اقتضت مصلحتها ذلك؟
الأخطر أن النفوذ التركي لا يعمل بالضرورة من خلال احتلال مباشر أو إعلان رسمي، بل من خلال شبكات سياسية وأمنية واقتصادية تجعل التأثير عميقاً من دون أن يكون مرئياً دائماً.
ومن هنا يصبح التحول التركي ـ الأميركي أكثر أهمية: هل نحن أمام إعادة بناء سوريا أم إعادة توظيفها؟
فإذا تلاقت المصالح التركية والأميركية في دعم المسار الجديد، وإذا تزامن ذلك مع تراجع موقع القوى المرتبطة بمحور المقاومة، فإن الصورة الإقليمية تصبح أكثر وضوحاً: سوريا الشام تتحرك بعيداً عن موقعها السابق، لكن الوجهة النهائية لم تتبلور بعد.
الجنوب السوري والاختبار الصهيوني
في الوقت الذي يُعاد فيه ترتيب الداخل السوري، تستمر الاعتداءات والتوغلات الصهيونية في الجنوب. وإذا كانت السلطة الجديدة تريد تقديم نفسها بوصفها عنواناً للاستقرار والسيادة، فإن التعامل مع هذه الاعتداءات سيكون الاختبار الحقيقي.
فالسيادة لا تُقاس بالخطابات، بل بقدرة الدولة على حماية أرضها ورفض فرض الوقائع عليها.
وإذا تحولت سوريا الشام إلى دولة تلتزم الصمت أمام التمدد الصهيوني، بينما تُعيد بناء علاقاتها الأمنية والسياسية وفق ترتيبات إقليمية جديدة، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد «تطبيع» محتمل.
إنه سؤال عن إعادة تعريف موقع سوريا الشام في الصراع العربي ـ الصهيوني.
المكونات السورية ليست أدوات في مشروع المحاور
وفي الداخل، يجب ألا تتحول المكونات السورية إلى وقود لهذا التحول..
وحدة المجتمع السوري هي خط الدفاع الأول عن استقلال القرار. وكلما تحولت المكونات إلى جماعات متخوفة من بعضها، أصبح الخارج أكثر قدرة على التحكم بالداخل.
لبنان: الحلقة التالية؟
أما لبنان، فيبقى الاختبار الأكثر حساسية.
إن دفع سوريا الشام إلى مواجهة حزب الله، أو تحويل الأراضي السورية إلى قاعدة لصراع لبناني ـ إقليمي، قد يفتح الباب أمام حرب تتجاوز البلدين.
والأخطر أن يجري تقديمها في إطار طائفي. عندها يتحول الامر إلى فتنة إقليمية مفتوحة، ويُقرأ ذلك ضمن السؤال الأكبر: هل المطلوب تفكيك البيئة الإقليمية لمحور المقاومة حلقةً بعد حلقة، وإعادة تركيب المنطقة في منظومة أمنية جديدة تتقاطع مصالحها مع المشروع الصهيوني؟
في النهاية، لا تكمن القضية في الجولاني كشخص، ولا في تركيا كدولة فحسب، بل في الاتجاه الاستراتيجي الذي تُدفع إليه سوريا الشام.
إذا كان التحول السياسي قد نقل البلاد من موقعها السابق في محور المقاومة إلى موقع جديد تتقاطع فيه المصالح التركية والأميركية والصهيونية، فإن السوريين أمام سؤال تاريخي لا يمكن دفنه تحت شعارات المرحلة الانتقالية:
هل استعادت سوريا الشام قرارها، أم جرى نقل قرارها من محور إلى محور؟
السيادة هي أن تقرر دمشق موقعها بنفسها.
أما أن تُرسم حدود هذا الموقع في عواصم أخرى، وأن يصبح النفوذ التركي بوابةً لإعادة التموضع، وأن تتراجع مواجهة المشروع الصهيوني من موقع مركزي إلى هامش سياسي، فذلك يعني أن المعركة لم تنتهِ؛ بل انتقلت إلى مرحلة جديدة.
سوريا الشام ليست غنيمة، ولا ورقة تفاوض، ولا جسراً إلى المحور الصهيوني.
وإذا كان المطلوب فعلاً بناء دولة سورية مستقلة، فإن معيار الاستقلال واضح: أن يكون القرار سورياً، وأن تبقى أرض سوريا الشام ومقدراتها خارج صفقات المحاور، وأن يقرر السوريون بأنفسهم موقع بلادهم في الصراع الإقليمي.

