نصير رماح
من «عليّ ومعاوية» إلى أزمة المعايير »أنزلني الدهر، ثم أنزلني، ثم أنزلني حتى قيل: عليّ ومعاوية. «
تكمن قوة هذه العبارة في أنها لا تتحدث فقط عن تقلّبات الدهر، بل عن لحظة أخطر: لحظة انحدار المعايير، حين يفقد المجتمع قدرته على التمييز، فيصبح المختلفان في القيمة والموقف والمكانة سواءً في نظر الناس، لا لأنهما متساويان فعلًا، بل لأن ميزان الحكم عليهما قد اختلّ.
وهنا تلتقي هذه العبارة، في معناها العميق، مع جوهر الفكر الذي أراد أنطون سعاده أن يبني عليه نهضة الإنسان والمجتمع، فالنهضة ليست مجرد تبديل أسماء أو مواقع، ولا مجرد رفع شعارات جديدة، بل هي قبل كل شيء إعادة بناء للإنسان الذي يملك ميزانًا صحيحًا للحكم على الأشياء والأشخاص والمواقف.
ولهذا لم يفصل سعاده بين النظام والأخلاق، بل قال بوضوح: «كل نظام يحتاج إلى الأخلاق. بل إن الأخلاق هي في صميم كل نظام يمكن أن يُكتب له أن يبقى».
فحين تسقط الأخلاق، يسقط معها المعيار، وحين يسقط المعيار، يصبح الذكي والجاهل سواء، والصادق والكاذب سواء، وصاحب المبدأ وصاحب المصلحة سواء، والبطل والجبان سواء.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي تقدم اليوم أوضح صورة لهذه الأزمة. فقد أصبح لكل إنسان منبر، وصار العالم والمثقف والجاهل يكتبون في المساحة نفسها، وتصل كلماتهم إلى الناس عبر الأدوات نفسها، وليس الخطأ أن يعبّر الجاهل عن رأيه، فله ذلك، وإنما الخطر أن تتحول حرية التعبير إلى إلغاء للفارق بين الرأي والمعرفة، وبين الحجة والثرثرة، وبين الفكر والانطباع.
وسعاده يقول: «المجتمع معرفة والمعرفة قوة».
وهذه العبارة وحدها تكفي لتحديد موضع الخلل: فالقوة لا تأتي من مجرد القدرة على الكلام، ولا من عدد المتابعين، ولا من ارتفاع الصوت وقسوة الشتائم، بل من المعرفة التي تتحول إلى وعي وفعل.
والأمر نفسه ينطبق على مفهوم البطولة. فقد تستطيع اليد المسلحة أن تهزم جسدًا أعزل مهما كان قوياً، لكن ذلك لا يجعل صاحب السلاح بطلًا بالضرورة، كما أن الهزيمة المادية لا تجعل المهزوم جبانًا، القوة المادية شيء، والقوة المعنوية والأخلاقية شيء آخر، والبطولة ليست في امتلاك القدرة على إيذاء الآخرين، بل في امتلاك الإرادة التي تجعل القوة في خدمة قضية ومبدأ وحق.
ولهذا قال سعاده: «مارسوا البطولة ولا تخافوا الحرب، بل خافوا الفشل».
فالبطولة، في هذا المفهوم، ليست استعراضًا للقوة، وإنما مسؤولية وموقف وثبات.
لكن سعاده لم يكن صاحب تصور رومانسي عن الحق، فهو لم يقل إن الحق ينتصر لمجرد أنه حق، بل ربط الحق بالقدرة على حمايته، حين قال: «إن الحق القومي لا يكون حقًا في معترك الأمم إلا بمقدار ما يدعمه من قوة الأمة، فالقوة هي القول الفصل في اثبات الحق القومي أو إنكاره».
وهنا يجب أن نفهم القوة بمعناها الأوسع: قوة الفكر، وقوة المعرفة، وقوة التنظيم، وقوة الإرادة، وقوة الأخلاق، والقوة المادية التي تحمي الحق. فالقوة عند سعاده ليست بديلًا عن الحق، بل وسيلة لحماية الحق وإثباته في الواقع.
ومن هنا تظهر خطورة ما نعيشه اليوم: حين يصبح عدد المتابعين معيارًا للمعرفة، وعدد المشاركات معيارًا لقيمة الكلام، والقدرة على الصراخ والشتيمة معيارًا لقوة الموقف، والسلاح معيارًا للبطولة، والقدرة على فرض الأمر معيارًا للحق.
عندها لا تكون المشكلة في وسائل التواصل نفسها، بل في مجتمع فقد ميزانه.
إن وسائل التواصل لم تُسقط الفوارق بين الناس، بل كشفت مدى استعدادنا للتخلي عن تلك الفوارق، فالمساواة الإنسانية لا تعني مساواة الآراء، والديمقراطية لا تعني مساواة الحقيقة بالوهم، وحرية التعبير لا تعني أن كل كلام يساوي المعرفة، والقوة لا تعني البطولة.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة المشروع الأخلاقي عند سعاده: أن نبني إنسانًا يعرف أن الحرية مسؤولية، والقوة واجب، والمعرفة شرط، والأخلاق أساس، والبطولة موقف وليست مظهرًا.
فالدهر قد يُنزِل بالإنسان، لكن السقوط الأخطر هو أن يُنزل بالمعيار نفسه.
وحين يسقط المعيار، يصبح العالم والجاهل سواء، والبطل والجبان سواء، وصاحب الحق وصاحب القوة سواء، ويصبح المجتمع عاجزًا عن رؤية الفارق بين من يملك الحقيقة ومن يملك القدرة على تسويق الوهم.
أما النهضة الحقيقية، فهي أن يستعيد المجتمع قدرته على التمييز، أن يعرف أن ليس كل من كتب كاتبًا، ولا كل من تكلم مفكرًا، ولا كل من حمل السلاح بطلًا، ولا كل من انتصر بالقوة صاحب حق.
فالمعيار ليس في كثرة الأصوات والشتائم، بل في قيمة ما تقوله، وليس في ارتفاع الصوت، بل في عمق الحجة، وليس في امتلاك القوة وحدها، بل في الغاية التي توجَّه إليها هذه القوة.
وهذا هو الفارق بين مجتمع حيّ ومجتمع فقد بوصلته:
المجتمع الحي لا يسأل فقط: من الأقوى؟
بل يسأل أولًا: من صاحب الحق؟
ولا يسأل فقط: من يتكلم أكثر؟
بل: من يملك المعرفة؟
ولا يسأل فقط: من انتصر؟
بل: بأي قيمة انتصر؟
لأن أخطر هزيمة للمجتمع ليست أن يُهزم البطل أمام الجبان، بل أن يفقد المجتمع القدرة على معرفة أيّهما البطل وأيّهما الجبان.
وعندما يفقد المجتمع هذا الميزان، يصبح قول «عليّ ومعاوية» ليس وصفًا لانحدار رجل، بل إنذارًا بانحدار أمة حين تتساوى عندها القيم لأن ميزانها لم يعد قادرًا على التمييز.
ومن هنا، لا يبقى أمامنا في لحظة اختلال المعايير إلا أن نكون مع الحق، ومع ما يمثله من قيم النهضة: معرفةً وأخلاقًا وشجاعةً ونظامًا ومسؤولية، فالموقف لا يُقاس بمن نحب، ولا بمن نختلف معه، ولا بموقع الأشخاص وأسمائهم، بل بمقدار اقتراب الموقف من الحق وخدمته للمصلحة القومية، لأننا حين نتخلى عن الحق لحساب الأشخاص، أو نصمت عن الخطأ خوفًا أو مصلحةً، نكون قد خذلنا الحق من حيث لا ندري، وتركنا الباطل يتمدّد من حيث نزعم أننا نواجهه.
الانحياز للحق ليس موقفًا ظرفيًا، بل التزام أخلاقي لا يتبدّل بتبدّل الأشخاص والظروف، فالنهضة التي لا تنتصر لقيمها في لحظة الاختبار تكون قد خذلت نفسها قبل أن يخذلها الآخرون.


