المبادرة والإبداع: لا تنتظروا من يصنع المستقبل عنكم

د. ادمون ملحم

لا تصنع النهضات مستقبلها بالانتظار. فالأمم لا تتقدم لأن الظروف تتغير وحدها، بل حين يظهر فيها من يفهم واقعها، ويرى ما يمكن تغييره، ويملك الجرأة على المبادرة. فكل تقدم يبدأ بفكرة تتجاوز المألوف، ثم بإرادة تحوّل هذه الفكرة إلى عمل. ومن هنا يصبح الإبداع قوةً في صناعة المستقبل، لا مجرد رغبة في أن نكون مختلفين.

ومن هنا تكتسب المبادرة والإبداع مكانة أساسية في فكر أنطون سعاده. فالنهضة، في نظره، لم تكن نتيجة آلية لتطورات سبقتها، ولا ثمرة ظروف كان لا بد أن تنتجها، بل كانت فعلًا واعيًا خلاقًا تدخل في مجرى الحياة ليغير اتجاهه. ولذلك رفض سعاده التفكير الذي يجعل التطور عملية تجري وحدها، مؤكدًا أهمية «الإبداع والابتكار اللذين تتصف بهما النهضة السورية القومية وعقليتها المتحررة».[1]

إنها نظرة تضع الإنسان في موقع الفاعل، لا المتفرج؛ وفي موقع من يصنع الاحتمالات الجديدة، لا من ينتظر أن تقدمها له الظروف.

الإبداع يبدأ بالوعي

لكن الإبداع، عند سعاده، ليس اندفاعًا عفويًا ولا رغبة في الاختلاف لمجرد الاختلاف. إنه يبدأ بالوعي والفهم والإدراك. وقد عبّر عن ذلك بوضوح حين قال:

«ابتدأ الإبداع بالوعي والإدراك والفن، فلا إبداع إلا بوعي وفن وإدراك».[2]

وهذا التحديد مهم، وخصوصًا للشباب. فليس كل من يأتي بفكرة جديدة مبدعًا، وليس كل خروج على المألوف تقدمًا. قد تكون الفكرة جديدة، ولكنها سطحية، وقد يكون العمل جريئًا ولكنه غير مدروس، وقد تتحول الرغبة في المبادرة إلى ارتجال إذا لم تسبقها المعرفة.

المبدع الحقيقي يبدأ بالسؤال: ما حقيقة المشكلة؟ ما أسبابها؟ ماذا يحتاج الواقع؟ وما الذي يمكن تحسينه أو تغييره؟

فالوعي يسبق المبادرة، والإدراك يوجّهها، والمعرفة تحميها من العشوائية.

لا تنتظروا أن يتغير الواقع وحده

في إحدى رسائله، رفض سعاده فكرة أن النهضة مجرد «نتيجة منطقية» لتطورات أدبية واجتماعية سبقتها. فلو كان التقدم يحصل تلقائيًا، لما كان للخلق الإنساني ولا للإرادة ولا للقيادة دور حقيقي في التاريخ.

إن الفرق كبير بين من يراقب التطورات ومن يتدخل فيها. الأول ينتظر ما ستأتي به الأيام، أما الثاني فيسأل: ما الذي أستطيع أن أفعله لكي تسير الأمور في اتجاه أفضل؟

وقد عبّر سعاده عن هذه الروحية بقوله:

إننا نشق في الحياة طريقاً جديداً نختاره نحن لأنفسنا ونعتمد عليه في تفكيرنا الخاص، وسوف يكون هذا الطريق من جملة الإنتاج الذي يأخذه الناس عنا.[3]

«نشق» هنا كلمة ذات دلالة عميقة. فالطريق الجديد لا يكون جاهزًا دائمًا، بل يحتاج أحيانًا إلى من يراه قبل غيره، ويجرؤ على البدء فيه، ويثابر حتى يصبح طريقًا يستطيع الآخرون السير عليه.

المبادرة تتجاوز انتظار التعليمات

وتتضح هذه الفكرة أكثر في رسالة سعاده إلى وكيل عميد الإذاعة، حيث لم يتحدث عن المبادرة بصورة فلسفية مجردة، بل في صميم العمل المؤسساتي. فقد رأى أن بعض المسؤوليات لا يمكن حصرها كلها في مواد ونصوص، لأنها تتطلب في الأشخاص القائمين عليها:

«الأهلية الشخصية وقوة الفاعلية والاستنباط أو المبادرة».[4]

وهذا درس بالغ الأهمية.

فالمسؤولية الحقيقية لا تعني أن ينتظر الإنسان تعليمات تفصيلية في كل أمر، ثم يتحرك فقط عندما يقال له ماذا يفعل. من يتولى مسؤولية ينبغي أن يفهم وظيفته وغايتها، ويتابع ما يجري حوله، وينتبه إلى المشكلات والحاجات، ويعرض ما يراه من حلول ومقترحات على المراجع المختصة.

وهذا لا يعني تجاوز الصلاحيات، بل يعني عدم تحويل النظام إلى عذر للجمود.

فقد يكون الإنسان منضبطًا، لكنه قليل الفاعلية؛ ينفذ ما يُطلب منه حرفيًا، ولكنه لا يرى ما ينبغي أن يُفعل. أما المبادر فيحترم النظام، وفي الوقت نفسه يفكر ويلاحظ ويقترح ويستنبط.

المبادرة ليست فردية

وهنا يبرز تمييز أساسي بين المبادرة والنزعة الفردية. فالمبادرة لا تعني أن يعمل الإنسان وحده أو أن يجعل رأيه فوق العمل المشترك.

المبادر لا يريد أن يعمل خارج العمل المشترك، بل يريد أن يضيف إلى قوته وفاعليته. ولا يقول: «رأيي يجب أن يُنفذ لأنه رأيي»، بل يقول: «لدي فكرة أعتقد أنها يمكن أن تساعد، فلندرسها».

الفردي يجعل ذاته محور العمل؛ أما المبادر فيجعل الغاية محورًا له.

والفردي قد يرى في رأي الآخرين تهديدًا لمكانته؛ أما المبادر فيقبل أن تتطور فكرته أو تتعدل أو حتى تُستبدل بفكرة أفضل.

ولهذا لا تتعارض المبادرة مع العمل المؤسساتي. بل إن المؤسسة التي لا تسمح للأفكار الجديدة أن تظهر وتُناقش قد تتحول إلى جهاز جامد، كما أن المبادرة التي لا تعرف حدود المسؤولية ولا تحترم الغاية المشتركة يمكن أن تنقلب إلى فوضى.

المعادلة الصحيحة هي: نظام يفتح مجال الفاعلية، وفاعلية تحترم النظام.

ليس كل جديد إبداعًا

وقد ميّز سعاده أيضًا بين التجديد الشكلي والتجديد الذي يمس أساس الحياة. ففي حديثه عن الأدب، رأى أن الابتكار في الأسلوب، مهما كان جميلًا، لا يكفي إذا بقيت النظرة إلى الحياة على حالها. فالتجديد الحقيقي يتصل بفكر جديد وشعور جديد ونظرة تفتح أمام الإنسان آفاقًا أوسع. وقد ربط سعاده الإبداع بالقدرة على تجاوز المألوف، وتخطيط حياة جديدة، ورسم مثل عليا جديدة للأمة.[5]

وهنا يصبح الإبداع أكثر من إنتاج شكل مختلف أو فكرة طريفة. إنه البحث عن الأفضل: عن فهم أعمق، وطريقة أجدى، وحل أنفع، وحياة أرقى.

من الفكرة إلى الإنجاز

المبادرة لا تنتهي عند اقتراح الفكرة. فكم من أفكار جيدة بقيت كلامًا لأنها لم تجد من يحمل مسؤولية تحويلها إلى عمل.

إذا رأيتم مشكلة، ادرسوها. وإذا وجدتم حاجة، اسألوا كيف يمكن تلبيتها. وإذا كانت لديكم فكرة، لا تكتفوا بالحديث عنها؛ طوّروها، واستمعوا إلى أهل الخبرة، وابحثوا عمن يمكن أن يشارككم تنفيذها.

ولا تجعلوا الخوف من الخطأ سببًا لعدم المحاولة. فليس كل مشروع ينجح من المرة الأولى، وليس كل فكرة تبلغ صورتها الأفضل منذ ولادتها. فالتعلّم نفسه يقوم على التجربة والمراجعة والتصحيح.

المهم ألا يتحول الخطأ إلى عناد، ولا الفشل إلى استسلام.

رسالة إلى الشباب

لا تجعلوا دوركم أن تنتظروا ما يقرره الآخرون لمستقبلكم.

اقرأوا، وافهموا، واسألوا. راقبوا واقعكم بعين ناقدة، لكن لا تجعلوا النقد نهاية العمل. ابحثوا عن الحلول، وقدّموا الاقتراحات، وطوّروا الأساليب، واستخدموا مواهبكم ومعارفكم في خدمة مجتمعكم.

ولا تسألوا فقط: ماذا طُلب مني أن أفعل؟

اسألوا أيضًا: ماذا تحتاج القضية مني؟ وما الذي أستطيع أن أضيفه؟

فالإبداع يبدأ بالوعي، والمبادرة تبدأ بالشعور بالمسؤولية، والفكرة تصبح ذات قيمة عندما تتحول إلى عمل.

والنهضة لا تحتاج إلى جيل ينتظر من يصنع له المستقبل، بل إلى جيل يعرف غايته، ويفهم واقعه، ويملك الوعي والجرأة والفاعلية ليشق طريقه نحو ما هو أفضل. فالمستقبل لا يُنتظر؛ المستقبل يُصنع.


[1] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثالث 1938-1939، «إلى إبراهيم حبيب طنوس»، بوينس آيرس، 22/7/1939.

[2] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948-1949، «كلمة الزعيم في القوميين الاجتماعيين»، ملحق رقم 5؛ منشورة لاحقًا في صدى الشمال ـ صوت الجيل الجديد، بيروت، العدد 85، 12/2/1960.

[3] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الرابع 1940-1941، «الزعيم في سانتياغو».

[4] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948-1949، «إلى وكيل عميد الإذاعة»، صادر عن مكتب الزعيم، 20/8/1948.

[5] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد السادس 1942-1943، الصراع الفكري في الأدب السوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *