لينا شلهوب
تشهد العلاقات بين بريطانيا والكيان الصهيوني، الحليفين التقليديين، اليوم واحدة من أسوأ مراحل التوتر الدبلوماسي والسياسي في تاريخها المعاصر، وذلك بعد تصاعد الأزمة بينهما بشكل حاد في أيلول الحالي على خلفية الملف الاستيطاني ومستقبل حل الدولتين. وقد وصل الخلاف إلى تدهور االعلاقات بينهما وإلى فرض لندن عقوبات واسعة ضد المستوطنات «الإسرائيلية» في الضفة الغربية المحتلة. فالدولة العظمى التي أصدرت وعد بلفور في 2 تشرين الثاني عام 1917 لدعم تأسيس وطن لليهود في فلسطين، ها هي اليوم تدخل في أزمة مع الكيان الذي طالما مدّته بالسلاح ودعمت إقتصاده من كافة النواحي.
التطورات بين الجانبين لم تكن بنت ساعتها، بل تأتي امتداداً لسلسلة من التوترات المتراكمة خلال الأعوام السابقة، مثل فرض بريطانيا عقوبات على وزراء «إسرائيليين» متطرفين واعترافها بالدولة الفلسطينية في عام 2025. إلا أن الموضوع الذي فجّر الخلاف بين الطرفين هو مشروع «إي 1» الذي يُعد من أبرز المخططات الاستيطانية «الإسرائيلية» في الضفة الغربية، إذ يهدف إلى بناء أكثر من 1200 وحدة استيطانية، عبر ربط مستوطنة «معاليه أدوميم» بالقدس المحتلة بهذه التجمعات الاستيطانية ومصادرة أراض فلسطينية، مما يهدد التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، ويقوض إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
بريطانيا ذهبت أبعد من فرض العقوبات إذ استدعت وزارة خارجيتها القائم بالأعمال «الإسرائيلي» لديها، وأبلغته «برفض المملكة المتحدة الشديد» لطرح مناقصة مشروع بناء المستوطنات، مطالبة حكومة بنيامين نتنياهو بالتراجع عنها فوراً. وجاء ذلك وسط خطوات لطرح حزمة شاملة من الإجراءات رداً على سياسات الحكومة «الإسرائيلية»، شملت حظراً تجارياً على بضائع المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الضفة الغربية، وفرض عقوبات على المستوطنين المعتدين في 8 أيلول الجاري وعلى أفراد وشركات تموّل بناء المستوطنات ووقف تصدير بعض الأسلحة، واعتبار الاحتلال غير قانوني، والتصريح بأن بعض ممارسات المستوطنين ترقى إلى «تطهير عرقي». وتأتي هذه الخطوات بعد تعهد رئيس الوزراء البريطاني آندي برونهام بتغيير جذري في سياسة بلاده تجاه «إسرائيل». هذه الإجراءات أغضبت «إسرائيل ودفعت حكومتها إلى إغلاق القنصلية البريطانية العامة في القدس الشرقية وسحب الاعتماد الدبلوماسي من طواقمها، مانحة أفرادها مهلة سبعة أيام فقط لمغادرة البلاد، كما أدت إلى وقف مشاركة بريطانيا في مركز التنسيق الذي تقوده الولايات المتحدة بشأن غزة، وإنهاء دورها في تدريب قوات السلطة الفلسطينية، ومنع عدد من النواب والشخصيات البريطانية من دخول «إسرائيل» والأراضي الفلسطينية المحتلة.
الجدير ذكره أن القنصلية البريطانية هي بعثة تاريخية تمثل قناة اتصال مباشرة بين بريطانيا والفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وتؤدي وظائف سياسية وقنصلية وتنموية. ولذلك يحمل إغلاقها دلالة تتجاوز الخلاف الثنائي بين بريطانيا وكيان العدو، لأنه يستهدف الحضور الدبلوماسي البريطاني المخصص للعلاقة مع الفلسطينيين.
ويعتبر عدد من خبراء السياسة أن قيام بريطانيا بفرض قيود على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة يمثل تحولاً لافتاً في السياسة البريطانية تجاه القضية الفلسطينية في ما يبدو بداية الفعل السياسي والاقتصادي، فاستهداف الشركات والبنوك وشركات التأمين التي تموّل الاستيطان يمكن أن يضع المؤسسات «الإسرائيلية» أمام خيار صعب، فإما مواصلة العمل في المستوطنات، وإما حماية مصالحها في السوق البريطانية والأسواق الأوروبية الأخرى.
هذا التحول في السياسة البريطانية حيال كيان العدو جاء إثر حجم الجرائم المرتكبة من قبل هذا الأخير على الأرض والذي تمثّل في عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني من خلال الاستيلاء على الأراضي، وحرق المنازل والمزارع، وتدمير مصادر الرزق، وإغلاق الطرق، والسيطرة على المياه، والاعتداء على السكان، ثم دفع الفلسطينيين إلى الرحيل.
العامل الثاني في التحول البريطاني حيال العدو الصهيوني هو استمرار الضغط الشعبي داخل بريطانيا. فمنذ بدء الحرب على غزة، شهدت لندن ومدن بريطانية أخرى سلسلة من المسيرات والاعتصامات الكبرى التي شارك فيها الملايين على امتداد الأعوام الماضية، كما شهدت الضغط على النواب، وحملات المقاطعة وسحب الاستثمارات، والتحرك داخل الجامعات والمجالس المحلية. مما شكّل حركة اجتماعية ونقابية وإعلامية واسعة ضمت «حملة التضامن مع فلسطين» والنقابات والطلاب والأكاديميين، والأطباء والمحامين والإعلاميين.
أما العامل الثالث، فهو الحصار الحقوقي والإعلامي. فقد أسهمت تقارير منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمات فلسطينية، في توثيق منظومة الاستيطان والفصل العنصري والتهجري القسري.
السؤال المطروح اليوم هل ستتصاعد الأزمة بين الجانبين وتتغير العلاقة بينهما، أم أنها أزمة دبلوماسية عابرة سيتجاوزها الجانبان كما حدث في أزمات سابقة؟


