نجيب نصير
من سوء تقديرات الثقافات العربية، أنها تعاملت مع المنتجات المعرفية العالمية كمرحلة مؤقتة، في انتظار أن تسود ثقافاتها هي، فلا يصح إلا الصحيح، ولكن حسابات الواقع مع جريان الزمن، أثبتت أن هذا الانتظار ما هو إلا تخلف يبحث عن فرصة ليتحول إلى تخلف صاف لا تشوبه شائبة، على الرغم من مشاغبات التكنولوجيات الكثيرة، على ذرائع التخلف المجيدة، في حالة من الرقص الأهوج، الذي يشبه رقصة الطير المذبوح، وهذا لم ينبه التفكيرية العربية ذات المرجعيات الثقافية المختلفة، للإتيان بمنتجات تفكيرية، أو توليد سياقات ثقافية مضادة للتخلف، أو فهم العالم بطريقة معرفية على الأقل، إلا باستثناءات فردية، لا تسمن ولا تغني عن جوع، وفوق ذلك تم وأدها، بكراهية غير متحضرة، لا تسمح بالمشاركة في تمثّل الإنجاز المعرفي الإنساني، سوى عن طريق تسول التكنولوجيات، من وسائل النقل والاتصال، حتى الطبابة وإنقاذ الأرواح.
صحيح هو أن الحداثة تتوجت بحربين عالميتين، واحدة تخص التجارة، والثانية تخص التظالم القومجي الذي نتج عن اختلال الموازين، بسبب فرض المنتصرين عقوبات مهينة على المهزومين، ولكن الحداثة لم تتوقف عن الإنتاج والإنجاز، منتقلة بسلاسة إلى ما بعد الحداثة، وهذا ما أنتج لدينا وصلة ردح وذم متواصلة، عن فساد الاجتماع الإنساني لديهم (هم)، على الرغم من نجاحهم بالاستثمار في مجتمعاتهم (أوربا ومراحل توحيدها، ولم نقل اليابان، وغيرها)، ولكن باعتبارنا لها «مرحلة وتعدي» وسيظهر للكون أحقية (وليس صوابية) نظرتنا للحياة والكون والفن، ما شكل انتصاراً وعدوياً نعيشه بوهم الإستعلاء، وبتغطية من فكرة الإضطهاد المعروفة، دون الإلتفات إلى فكرة المساواة التأسيسية في أي نشاط تفكري/معرفي، فالمساواة ممنوعة من جذور الثقافات العربية، نشداناً لتنافس أخلاقوي هو من خارج حلبة التنافس الإنجازي للأمم والشعوب، والجمعات غير المصنفة مجتمعياً، وهكذا تم القبول ثقافياً «بمرحلة وتنتهي» على طريق لا يصح إلا الصحيح، ولكن العولمة صدمت هذه الثقافات، فتوارت دفاعياً خلف عقدة الاضطهاد، لدرجة باتت كوميديا سوداء واقعية، حيث تحت مظلتها، نقوم بحروب خاسرة سلفاً، ليس مع عدو خارجي «إذا أمكن» فقط، بل في حروب داخلية، تحطم البنية الثقافية لأعضاء المجتمع المغيب، بفعل الانقسام الثقافي، الذي لا وجهة له، إلا الفساد والإفساد، كصورة عن التظالم الإيديولوجي الأحمق، هذه الحروب الداخلية التي حصدت من إمكانيات الشبع والمنعة، ما لم تحصده أية حرب خارجية، ومع كل ذلك تم النظر إلى العولمة، لا كإمكانية لركوب القطار، بل بالتخلف القصدي عن موعده، فصارت العولمة باطلة و متوحشة وغبية وغير عادلة واستعمارية ونرفض المشاركة بها، ورضيت ثقافاتنا بالاستبداد بينما تموت مرحلة العولمة لنري العالم ما لدينا من حق وفضائل، ولكن العولمة تجاوزتنا مرة أخرى، بعد أن حددت لنا نوع الاستبداد الذي يحافظ على تخلفنا، وتقدمها هي، ما يعني استمرارها في نسغ الحياة «الدنيا»، أخذةً وضعية المنافس المستمر، دون تمرحل أو انتظار نهايات سعيدة، فسعادة الشعوب هي أمر يومي تمارسه هذه الشعوب بناء على منجزات تحضرية مضافة، ولا مجال لمقارنة أو انتقاد (لا أقصد النقد)، فالواقع واضح للجميع.
الآن الذكاء الاصطناعي كمولود شرعي للعولمة، التي لما نزل نرفضها إلا بشرط واحد، وهو أن نكون قادتها وأساتذتها (وهذه بالحقيقة عقدة الاضطهاد)، ولكن الذكاء الاصطناعي فاجأنا، وها نحن نعد العدة لمفاجأته، تحت دعوى تسخير مقدراته (التي لا نعرفها حتماً)،كتكنولوجيات جاهزة للاستعمال المنزلي، حيث تظهر القامات والمكانات الحقيقية على مصور المخطط البياني المعرفي، فتبدو كمنحدر قوي من جهة منتجي الذكاء الاصطناعي، و كتسلق سيزيفي من قبل مستهلكي التكنولوجيات الجاهزة، والمشكلة هنا بالـ «سيزيفي» الذي نعرفه مسبقا، فنلجأ إلى شكاوى المظلومية والغدر والأخلاق والاستعمار والغزو الاقتصادي والثقافي والأخلاقي، فنتدحرج على المنحدر الصاعد ونحن منهكون من استنفاد إمكانياتنا، وفي موضع أسوأ بكثير مما كنا قبل بداية المرحلة التي سوف تنتهي حتماً بانتصار الحق على الباطل، وليس بانتصار الصواب الذي لا نملكه على الخطأ الذي يملكه الآخرون!!!!.
هل الذكاء الاصطناعي مرحلة كما نقدر نحن؟ مرحلة وتنهي؟ لا يمكن الاعتقاد بهذا، بعد معرفتنا للتوالدية المعرفية التي أنتجتها الحداثة، وعلينا ترك سؤال لماذا تقدموا هم وتخلفنا، (طبعاً يعتقد الكثيرون أننا نحن المتقدمون)، فلا إجابة عقلانية عليه، ربما علينا تغيير السؤال، فمن يجرؤ؟……..
بلى هناك من سأل وتمت إبادته، إذ قال: ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟…… لم يتابع أحد هذا السؤال، حتى من مناصريه، فالسؤال يتضمن متواليات التحضر ومن ثم التقدم والارتقاء، ليبدو كم نحن مشاركون في جلب هذا الويل.


