الحزب القومي سيكون بخير

 لا بديل عن الاحتكام للدستور وسلطة المؤسسة والكل يخسر في صراع الافراد على السلطة

د.جاد ملكي ـ عميد التربية والشباب ـ الحلقة الأولى

استفقت باكراً صباح الجمعة 4 أيلول 1987 على صراخ مسلحين في الحارة، وسارعت لأرى ما الأمر. قبل أن تصرخ والدتي لي بالعودة، لمحت أربعة مسلحين يقتادون جارنا الرفيق جهاد بعنف وإهانة. هزتني الصدمة في سن لا يناهز الـ 13. ـ

كان الرفيق جهاد المهندس المرموق قد انتقل منذ ثلاث سنوات من بيت شباب مع عائلته إلى الكورة لبناء مدرسة الإنترناشيونال سكول، التي استثمر فيها القوميون، كما كانوا قد بنوا عدة مدارس في لبنان والشام والمغترب. اختار السكن في حارتنا في بطرام، حارة آل ملكي القومية، مع أن المشروع أقرب إلى قرية بترومين المحاذية. وكانت تربطني بأولاده صحبة الطفولة، وكانوا قد أصبحوا جزءاً من العائلة.  ـ

كان والدي، المسؤول الحزبي في القرية، ما زال نائماً، فسارعت لإعلامه عن هذه الفظاعة. لكنني تفاجأت بعدة عناصر مسلحة تسأل عنه. خرج والدي بهدوئه المعتاد، فطلبوا منه مرافقتهم، لكنه أجبرهم على الانتظار حتى لبس ثيابه، على عكس الرفيق جهاد الذي اقتيد بلباس النوم. ما زلت أجهل لماذا لم يواجه والدي ذات العنف. ربما لأن المسلحين كانوا تلامذته في مدرسة بطرام الرسمية، أو لأن بطرام كانت مركزاً أساسياً للحزب، حيث استشهد في معركة 1984 الرفيق عاطف الدنف (ثائر)، بطل عملية الفرار الكبير من معتقل أنصار، أو لأن عائلتنا كانت معروفة بتضحياتها للحزب، فقد عانت في الستينات من السجن والتعذيب والملاحقة من المكتب الثاني، وفي السبعينات هُدمت منازلنا بعد اجتياح اليمين الانعزالي للكورة واضطررنا للهجرة إلى أستراليا، أو لأن بيتنا كان يحوي “استوديو الحزب” الذي منه كانت تُسجل نشرات أخبار “تلفزيون لبنان من الشمال” قبل أن تُرسل إلى قرية فيع لبثها. كان ذلك الاستوديو مصدر رزقنا الأساسي، فوالدي أنشأه في أوائل الثمانينات لتصوير المناسبات، وبعد معركة 1984 مع المردة، أمسك الحزب بعامود البث في فيع وكان بحاجة إلى استوديو، فتبرع والدي بكل المعدات وأدار العمل من دون مقابل. حتى تلك اللحظة كانت هالة المسؤول الحزبي شديدة العظمة في ذهني، وكانت تضحيات أعمامي وعماتي وأولادهم فخراً لنا، لكن كل ذلك سقط واختفى وانتفى في تلك اللحظة العصيبة، وسُحقت بثواني نضالاتهم كما تُسحق الحشرات تحت الأقدام. حتى بعد مرور 40 عاماً، ما زلت أشعر بألم تلك الحادثة: الرفيق جهاد القومي المحبوب المحترم الهادئ المثقف الآدمي يتبهدل في حارة القوميين من قبل قوميين! ـ

مع أن الصدمة كانت كبيرة، في الحقيقة، كنا من المحظوظين في ذلك اليوم الأسود، لأن الانقلاب الدموي الذي قاده متسلط في الحزب بدعم المخابرات السورية آنذاك، سقط فيه عشرات الشهداء والجرحى، ولكن خيار الرفيق الراحل “أبو حربا” في مركز بطرام أن يسحب كل الأسلحة خلسة في الليل ويسلم المركز دون إطلاق رصاصة قد نجّانا من حمام دم لم تَنْجُ منه القرى الأخرى، خاصة فيع ودده، حيث سقط الشهداء إيلي الجقل، وجهاد التيماني، وشكري خير الله، وعاطف خضر، وماهر طربيه، ونزار حيدر، وغيرهم. ـ

لم تمر بضع ساعات حتى رأينا قوات “الردع” تنقض على حارتنا، ومباشرة أقفلوا كل منافذ وأبواب الاستوديو بألواح حديدية ووضعوا عناصر حرس على مدخل المبنى. وبقي الاستوديو مقفلاً لسنوات ومعه مصدر رزقنا، ورحلت عائلة الرفيق جهاد وانقطع الاتصال بهم. استُبدل اسم “الحزب القومي” بين الرفقاء باسمي “الطوارئ والمجلس الأعلى”، وتردّت صورة الحزب الذهبية ذات الهيبة المفعمة بانتصارات “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” وسيرة الاستشهاديين الأبطال والعمليات النوعيّة ضد العدو الصهيوني وحلفائه في الداخل. لم أفهم مصدر هذه التسميات في صغري، لكنني كنت أعرف أن والدي والرفيق جهاد كانا مع المجلس الأعلى والمسلحين مع الطوارئ. بعد ذلك ولعدة سنوات، لم يعد الحزب جزءاً أساسياً من حياة عائلتي ـ بعد أن كان يملأ كل شيء يحيط بطفولتي وكنت أرى القدوة والسمو في رجاله ونسائه المناضلين. وهذا درس لن أنساه: في انقسام الحزب، الجميع يخسر الحاضر والماضي والمستقبل، وتتبخر الإنجازات والتضحيات وتضيع أسمى الشهادات. ـ

عندما بدأت دراستي الجامعية في أوائل التسعينات، احتككت من جديد مع القوميين، من الطرفين، دعوني للعمل الحزبي وللتعرف على العقيدة، وكان كل طرف يحاول جذب المناصرين من خلال إقناعنا أن الطرف الآخر كان على خطأ. للأسف تعلّمنا قصة المجلس الأعلى والطوارئ قبل أن نتعلم قضية أنطون سعاده. وكانت القصة بسيطة: اختلفت القيادة الحزبية بين خطين سياسيين في التحالف بين ياسر عرفات وحافظ الأسد وكيفية إدارة العمل المقاوم، فأعلن المجلس الأعلى ـ السلطة التشريعية ـ إقالة رئيس الحزب، ولكن الأخير “سبق” قرار الإقالة وأعلن حالة الطوارئ، وواكب هذه القصة الدستورية أحداث واتهامات جمّة، منها اغتيال قوميين، خاصة العمد محمد سليم وحبيب كيروز وتوفيق الصفدي، واتهامات بحرف مسيرة الحزب عن المقاومة، وتحريف العقيدة وغيرها ـ أمور للأسف تعود اليوم ليكرر هذا التاريخ الأليم نفسه. في الحقيقة، كان الموضوع صراع أفراد على السلطة، فقط لا غير، وكان المتصارعون متحالفين مع قوى خارجية: منظمة التحرير الفلسطينية والمخابرات السورية. مع انتهاء الحرب الأهلية وسيطرة الجيش السوري في لبنان، كان من الطبيعي أن يطغى طرف الطوارئ، بما أن قائده كان مدعوماً من المخابرات السورية ومتحالفاً مع الحريرية السياسية، واستطاع كسب مراكز في الدولة واستفاد من فسادها وتحالف مع مفسديها. ـ

رغم الاختلافات السياسية آنذاك، إني أجزم اليوم أن أي قيادة حزبية كانت سوف تصحح المسار السياسي لو بقي الحزب موحداً. والبرهان أنه في أواخر التسعينات، وبعد وفاة بعض الشخصيات الأساسية في هذا الصراع، خاصة الأمين إنعام رعد، عاد المتخاصمون ووحدوا الحزب تحت قيادة واحدة فرضتها المخابرات السورية بعد التسويات التي هيأت لانقسامات جديدة. بعدها، غاص الحزب أكثر في فساد الدولة اللبنانية والشامية إلى حد أنه لم يعد يشبه عقيدته وتاريخه النضالي وأخلاقه الراقية وخسر نَفَسَه النهضوي، وانفك عنه آلاف المناصرين، والكثير من أبناء وبنات القوميين ـ مع بعض الاستثناءات. خلال هذه المرحلة فرض أسعد حردان سلطته الكاملة، ولكن بعد سقوطه في انتخابات أيلول 2020 وانشقاقه، عادت بوادر الأمل لصفوف القوميين، وهنا الدرس الثاني: مهما تحكّم أفراد بهذا الحزب النهضوي، ومهما تقهقر وتراجع، ومهما انقسم، سيعود ويصحح مساره وينشر أفكاره على مدى هذه الأمة العظيمة، طالما جذوره مترسخة في عقيدة سعاده ودستوره. يبقى الأسف كبير على تأخير مسيرة النهضة بسبب هذا الصراع على السلطة. ـ

انتميت إلى الحزب في الجامعة في سن العشرين. واخترت آنذاك جناح الطوارئ  ولم يكن قراراً مبدئياً، إنما خياراً براغماتياً متأثراً بالصداقات، فقد كان واضحاً في منتصف التسعينات أن مؤسسة الطوارئ تملك الإمكانيات الأكبر، وكان خيارها السياسي المرحلي هو الأوفق، خاصة بعد فضيحة اتفاقية أوسلو في 1993، وكانت قيادة الطوارئ تستثمر أكثر في البناء الطلابي، وكنت قد أصبحت على علاقة وثيقة بقياديي الطلبة هناك، ومنهم الأمين حسان صقر والأمين الراحل صبحي ياغي، وكلاهما كانا يملكان كاريزما وطاقة استثنائية. وللأمانة، لم يكن قراري إن انتميت في المجلس الأعلى سيغيّر بشيء، لأن تعاقدي مع سعاده، أي مع دستوره المتضمن مبادئه، والضامن الوحيد لنهجه، حتى لو شطت المؤسسة في مرحلة ما عن المسار. مع أنني لا أندم على قراري، إني أعي اليوم وأنا في العقد الخامس من العمر أن القرار المبدئي هو الأصح، هو القرار الذي اتخذه الزعيم حين مشى بخطى ثابتة نحو الشهادة، والخيار الذي يعبّر عن معنى “أن الحياة كلها وقفة عز فقط”، وهو الخيار الذي يمكن أن يكون خاسراً على المدى القصير، ولكنه الثابت الحق على مدى الأزمان. لن أكرر الخطأ. لن أختار الصداقة، أو البراغماتية، أو الكاريزما، أو الخط السياسي المزعوم، أو الرجل الأقوى، ولن أنجرّ خلف اتهامات مجحفة. اخترت الأمر الوحيد الثابت: العقيدة المُتَضَمَّنة في الدستور، والتي عنها تنبثق شرعية أي قيادة وأي قائد. بعكس قراري في التسعينات، اتخذت اليوم قراراً مبدئياً ـ سوف أتقيّد بقرار المجلس الأعلى، السلطة العليا المُنتخبة من القوميين والتي تعبّر عن إرادة القوميين وتستمد شرعيتها من الدستور والمبادئ. لن أخاصم أحداً، وسأبقى على علاقة جيدة مع الجميع، ولن أنكفئ! كل التأويلات الأخرى والمماحكات الدستورية العقيمة والاتهامات المجحفة لا قيمة مبدئية لها، إنما هي للدعاية الإعلامية ومناصرة فرد على آخر، وقطعاً سوف تسقط ولو بعد حين.

سألتني ابنتي مؤخراً، ماذا يحدث في الحزب؟ وهي في ذات المرحلة الجامعية التي كنت فيها عند انتمائي، وهي تقرأ وتتعرف على عقيدة سعاده ـ مرحلة تعرف جمالها ونقاءها وسموها فقط من هي في مرحلة اكتشاف هذا الفكر العظيم وفي خضم مسيرة إيقاظ وجدانها القومي. فاضت في صدري كل الذكريات الأليمة. نصحتها بتجاهل الموضوع، والتركيز على فكر سعاده ومبادئ الحزب وبناء المعرفة والصراع من أجل نهضة شعبنا بكل الوسائل الأخلاقية المتاحة. وطمأنتها أن الحزب سيكون بخير، وأن قيادات اليوم تعي تاريخه وأخطاءه الماضية ولن تكرر الخطيئة. ـ

اتصلت بعد ذلك بالرفيق جهاد، أي بعد 40 عاماً. سألته عن ذلك اليوم الأيلولي الأسود، ولم أكن أعرف إذا كان لا يزال يعتبر نفسه قومياً. فاجأني برده الهادئ الذي أكد على الصحة المطلقة للعقيدة وعلى أخطاء المؤسسة والافراد. كنت بلا أدنى شك أتكلم مع رفيق ترسخت النهضة القومية في صميم وجدانه رغم كثرة الجراح. وهذا الدرس الأخير: من ينتمي إلى هذه النهضة العظيمة بصدق ووعي يبقى ثابتاً فيها، راسخاً في حقيقتها، مهما تقهقرت المؤسسة، ومهما عظمت المصاعب، ومهما تكدست التضحيات. الأسف الأكبر هو على الطاقات التي تخسرها المؤسسة عند كل مَطَبّ: عشرات الآلاف نهدرها بسبب قرارات أفراد متفردة! ـ

نشرت في جريدة الاخبار اللبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *