مرسال غانم وبولا يعقوبيان وسنفروا عالسنفريان!

أنطوان يزبك

اعتاد المشاهد اللبناني على شاشات التلفزيون يوما بعد يوم؛ على سيلٍ فوّار من تبادل الشتائم والانحطاط الأخلاقي، بين الإعلاميين وأهل السياسة كان آخرها فصل من مسرحية سمجة، من بطولة: مرسال غانم وبولا يعقوبيان. وللتذكير يتشارك الإعلامي غانم والنائب يعقوبيان بالمسؤولية في أمور عديدة: الانحدار والسخف، النذالة والقباحة، التمثيل الدرامي على الناس بمهارات مسرحية فاشلة والمكر الشديد، مرسال يجدد جريمته مع كل ضحكة مدوّية في برنامجه الهدّام والفتنوي وبولا تجدد إعجابها بالشيوعيين مع كل طقم أقراط أذن الماسي، تقتنيه أو عقار باهظ الثمن تستملكه.

 يصير الجدال بينهما بقدرة قادر من قوة فوقيّة وكأنه وهم صوري وجدل سريالي، على قاعدة أغنية هزلية للراحل الكبير فيلمون وهبي: سنفرلو عالسنفريان وهي عبارة مأخوذة من عبارة باللغة الفرنسية:

Ça ne fait rien

والمقصود بها أن هذا الأمر لا يؤذي، بل على العكس يمرّ مرور الكرام، وكأننا نقول في العاميّة (معليش) أو لا تنهمّ، وكلّ شيء في بلادنا كلام بكلام ذائب، يقال على كأس ويسكي أو عرق وفي اليوم التالي تنسى الناس كلّ ما قيل وكل المشاجرات والشجن وتتلاشى الكلمات النابية والأفكار السامّة، ويبدأ المواطن يستعدّ من جديد لجولات أخرى، مثل اسطورة “سيزيف” البطل الذي حكمت عليه الآلهة أن ينقل يوميا الصخرة من أعماق الوادي إلى قمة الجبل فيتكرر هذا الفعل يوميّا إلى أبد الآبدين!

كلّ يومياتنا تختصر بروتين واحد، ألا وهو أن نعدّ العدّة للأصغاء لمحاورات “راقية ولائقة ” جديدة وطازجة، يوميّا على الشاشات والمنصّات الإعلامية أو في البرلمان أو أي مكان عام يغصّ بأحاديث السياسة التي تتناول الوضع اللبناني.

العبرة من كلّ ذلك تختصر كالتالي:

فقدان الأخلاق والحسّ الإنساني الطبيعي. السؤال عن المحاسبة والقانون وقد صار هذا الموضوع نسيا منسيّا فلا أحد يقدر على فجّار منحطين عملاء، بينما يعاقب من لا ظهر له وليس هناك من يعضده ويطالب له بحقّه.

ظهور لغة جديدة فاسقة وسوقيّة بين أفراد الشعب وعلى جميع المستويات حطّمت السدود واللياقة والأعراف بين البشر.

ظهور العنصرية العرقية والاثنيّة والتحصن وراء الطوائف فهنالك من اعتبر ان إهانة إسم عائلة بولا هو إهانة للطائفة الأرمنية الكريمة، علما أن الإهانة هي إهانة للجميع من دون استثناء إلى أي طائفة انتمى الفرد، أو عرق، أو فئة حضارية، أو مجموعة إثنية. تحوّل مفهوم السياسة ودور السياسيين وحقيقة عملهم ودورهم في المجتمع والحياة إلى أسوأ ما يمكن تخيّله من بشاعات.

أما المأساة الكبرى فهي سحق مهنة الصحافة سحقا مبينا. وأصبح من يتعاطى هذه المهنة في أيّامنا ومن هو بارز على الساحة إنسانا فظا أشبه بقطّاع الطرق

ومصاصي الدماء وأعتى المجرمين وقد سدوا سبل الارتزاق بوجه الصحفيين الحقيقيين الأصيلين الذين يستحقّون شرف هذه المهنة وجعلوهم يقضون جوعا فلا مكان لهم في أي وسيلة إعلامية إذا لم يمتهنوا الشتم والنميمة، وقد صار الصحافي النقي الشفاف وأجسر أن أقول الطوباوي متسوّلا، وأعني ما أقوله!

 هذه المهنة هي مهنة مقدّسة ومقام الصحافة فوق كل المقامات، لأنها تحمل نور الحقيقة إلى الناس والرأي العام كي لا يقع في الضلال ويسلك الدروب التي تقوده إلى الهلاك المريع وقد قال ذات يوم العملاق ليف تولستوي عن الصحافة:

 أنها بوق السلام وصوت الأمة وسيف الحق القاطع وملاذ المظلوم ولجام الظالم، تهزّ عروش القياصرة وتدكّ معالم المستبدين..

ولكن ومع الأسف، أنا أراها اليوم مصدرا للشتائم والخصام وقنبلة سامّة تنفجر في كل حين وتبثّ الموت والتضليل، آخذة الناس إلى حتوفهم، وهي إلى جانب السياسة المظلمة والظلاميّة أهم مصدر للفتنة وتحريك الغرائز وجعل الناس في ضلال

واقتتال وهي وسيلة ناجحة في تفتيت الأوطان والأمم وحفر الخنادق بين أبناء الوطن الواحد، وبناء جدران العزل بين النفوس والأفكار، والدين والمنطق والعقلانية، وكل ما هو مفيد لأبناء الوطن من أجل أن يعودوا إلى رشدهم وإلى اتّحادهم للنهوض بهذا المجتمع المفكك!

المشكلة أن صحافة اليوم هي أداة بيد العدو المتربّص الذي يمرّر مخطّطاته على أرضنا بواسطة الصحفيين ورجال السياسة والحبل على الجرّار.

يقول بيت من الشعر:

ثوب الرياء يشفّ عمّا تحته

فإذا التحفتَ به فإنّك عاري

وبحسب الكتب والمراجع يُنسب هذا البيت الى الإمام الشافعي وينسبه البعض الآخر إلى شاعر الزهد العباسي أبو العتاهية، وبعض الخطباء يستعملونه على أساس أنه من الشعر الحكمي مجهول قائله.

هذه هي حالنا في بلادنا لا نعرف الحكمة ولا ندرك من قائلها، ولكننا نعرف جيدا أين يكمن الضلال وكيف نذهب إليه راكضين على أقدامنا! ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *