دونالد ترامب و«جنون العظمة».

فارس بدر

جنون العظمة مرض أو آفة اجتماعية عرفتها البشرية على امتداد تاريخها.

وهكذا لن يكون دونالد ترامب أوَّل ضحاياها أو آخرهم على الإطلاق، بل ستبقى هذه الظاهرة متلازمة مع تطوّر الحياة الإنسانية بكافة وجوهها وتعقيداتها.

يشير اضطراب جنون العظمة إلى اعتقاد الشخص الخاطئ بسموّه، وذكائه الخارق، وعظمته، فمريض جنون العظمة لديه تقدير مبالغ فيه للذات، ويؤمن بعظمة، وأهمية شخصيته، حتى مع وجود دليل قاطع على عكس ذلك.

  ومن الجدير بالذكر أنّ ما يعتقده مريض جنون العظمة لا علاقة له بخلفيته الثقافية أو الدينية أو مستوى ذكائه، وكان أول من تحدث عن جنون العظمة هم اليونانيون القدامى، فعلى ما يبدو هم كانوا يستخدمونها لنفس معنى مصطلح «الجنون»، حتى نهاية القرن التاسع عشر، حيث أصبحت بمعنى اختلال عقلي تتطور فيه الأوهام ببطء حتى تصبح نظاماً معقداً.

غير أنّ ما يجدر الإشارة إليه في هذا السياق، تلك الإضافات التي قدّمتها شخصية ترامب على مفهوم جنون العظمة. فقد أصاب هذا المرض عدداً من مشاهير العالم من أمثال عالم الرياضيات الأميركي جون ناش وماري لينكولن زوجة الرئيس الأميركي السادس عشر إبراهام لينكولن وجيمس غوردون مؤلف الأغاني المشهور الذي قتل والدته بسبب سماعه أصوات في رأسه، وسواهم في عالم الموسيقى والرسم والغناء. 

ولقد اقتصر أذى هؤلاء على دائرة ضيّقة لم تتجاوز أشخاصهم وأقاربهم.

غير أنّ مخاطر مرض جنون العظمة مع دونالد ترامب قد انتقل من هذه الدائرة الصغيرة إلى السياسة والقيادة وفي بلد يمتلك من القدرات الإقتصادية والعسكرية والنووية ما لم يسبق أن عرفته البشرية على امتداد تاريخها.

وهكذا يحمل جنون العظمة في حالة ترامب مخاطر تدميرية هائلة على أمن الأميركيين أنفسهم أوّلاً، وعلى أمن البشرية عامّةً مع ما يعنيه ذلك من تهديد للأمن والإستقرار على المستوى العالمي.

ولعلّ ما تشهده الولايات المتحدة الأميركية خلال فترة ولايته وبعدها خلال الانتخابات وما رافقها من حالة تحريض وتعبئة وتشكيك لا تزال مضاعفاتها ونتائجها تعصف بهذا البلد حتى تاريخ كتابة هذه السطور دون أن يلوح في الأفق أي مخرج فعلي لهذه الأزمة.

غير أنّ ما عانته البشرية خلال ولاية دونالد ترامب يضع علم النفس بكافة فروعه أمام تحديات جديدة.

فبالإضافة إلى شخصيته الغريبة وأسلوبه «البارا نودي» الذي ينعكس مع محيطه من المسؤولين في الإدارة الأميركية وخارجها في الدوائر السياسية العالمية، رأيناه يحوّل صلاحياته فيما يُعرف بالأمر التنفيذي Executive order إلى قرارات استراتيجية في السياسة الخارجية الأميركية. منها نقل السفارة الأميركية إلى القدس التي اعتبرها العاصمة الأبدية لإسرائيل، أو إعلانه مرتفعات الجولان المحتلة جزءاً لا يتجزّأ من الكيان الصهيوني وبشكل يتناقض مع كافة القرارات الدولية.

وهكذا يتقمّص ترامب وعد بلڤور بعد مئة عام ونيّف، ليرسم خرائط جديدة للمنطقة على حساب أهلها وشعوبها ومستقبل أطفالها وشبابها، ضارباً عرض الحائط كافة القوانين والأعراف في العلاقات الدولية، متّكئاً فقط على الصلاحيات المعطاة له من الآلهة والقدّيسين الذين «يعدون بالأرض» و«يختارون الشعوب» تبعاً لأهوائهم ورغباتهم.

وهكذا نفهم «صفقة الأرض» ومشاريع «التطبيع» و«اتفاقيات أبراهام» وسواها من «أوامر تنفيذية» باعتبارها نموذج عن جنون العظمة الترامبي الذي يطمح إلى تمديد ولايته.

فألف شكر لدونالد ترامب الذي قدّم لمرض جنون العظمة مادّة جديدة أمام علماء النفس للتمحيص والتدقيق والتشخيص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *