إبراهيم مهنا ـ الحلقة الثانية والأخيرة
التطبيع ضمن الرؤيا الإسرائيلية للشرق الأوسط
فمن مشروع شيمون بيريس في كتابه الشرق الاوسط الجديد رؤيته حول مستقبل المنطقة الاقتصادية والسياسية، والدعوة إلى اندماج «إسرائيل» في المنطقة عبر التعاون الإقليمي بعد توقيع اتفاقيات السلام والأهم ان المشروع يتضمن إقامة نظام أمني إقليمي يتولى مهمة «تثبيت النظام السياسي الجديد في المنطقة على أرضية صلبة/ وصولا الى بنيامين نتنياهو الذي أعلن أن غاية حروبه في غزة ولبنان وسوريا، وربما إيران غداً، هي «تغيير الشرق الأوسط». وفي خطابه أمام جلسة الكنيست المخصصة للمصادقة على اتفاقيات التطبيع مع الإمارات والبحرين، إذ قال: «هناك في الاتفاق مع الإمارات والبحرين احتمالات للسلام غير القائم على تنازلات إسرائيلية ؛ سلام قائم على ردع اسرائيلي دائم، ومستند إلى تعزيز دائم للقوة» وفي منتصف أغسطس/آب 2025 أعلن تأييده رؤية «إسرائيل الكبرى» مشروعا توراتيا في 22 سبتمبر/أيلول 2023 فاجأ الجمعية العامة للأمم المتحدة بعرضه «خريطة » إسرائيل « تتضمن قطاع غزة والضفة». وأعلن آموس يادلين، الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في مقال بعنوان «نظام إسرائيلي في الشرق الأوسط»، أن على «إسرائيل» بناء منظومة إقليمية تضمها مع الإمارات والسعودية ومصر والأردن، بدعم من الولايات المتحدة، في مواجهة ما سمّاه بـ«محوري الإسلام السياسي» وقد طرحت صيغ أخرى مثل الشرق أوسط صغير وذكي وهي صيغة تستجيب، بل تقترب إلى حدّ بعيد من المطامح الإسرائيلية التي باتت ترى أن علاقاتها مع المنطقة بشكل عام لا تتجاوز البعدين الجغرافي والاقتصاد. ونلخص أهدافها بما يلي: دخول «إسرائيل» النظام الجديد / كسر عزلتها الإقليمية/ اختراقها النظام/ توفير المجال الحيوي لاقتصادها/ توسيع السوق امام صادراتها/ توسيع دائرة الدول المنضمة إلى هذه الاتفاقات. الخلاصة ان « إسرائيل» المركز والقائد للنظام الإقليمي والمستفيد الأول منه.
ولا بد من الاشارة الى وثيقة التفاهم الأمني الأميركية-الإسرائيلية (المعروفة بمذكرات التفاهم الاستراتيجية للمساعدات العسكرية) هي اتفاقيات تاريخية تنظم الدعم العسكري والأمني الأمريكي لإسرائيل، تحقيقا لهدف أساسي يحول «إسرائيل» الى قوة عظمى.
أما اهم ما ترتب على اتفاقيات أبراهام فقد فُتحت ممثليات دبلوماسية اسرائيلية في كل من الدول الموقعة / ربط خطوط جوية مباشرة بين تل أبيب وأبو ظبي ودبي والمنامة والدار البيضاء ومراكش/ أجريت زيارات متبادلة بين عدد من الوزراء والمسؤولين والعسكريين والسياسيين ورجال الاقتصاد من الدول المطبعة، وقعت خلالها اتفاقيات تعاون في مجالات مختلفة./ وارتفع الطلب على تعلم اللغة العبرية كما سجل عدة طلاب إماراتيون ومغاربة للدراسة الجامعية في المؤسسات الأكاديمية ومعاهد الأبحاث وتلقي دورات في معاهدها كما عقد الموقعون سلسلة من الصفقات التجارية وترتيبات التعاون الأمني، وكانت الأكثر ربحية هي تلك التي جرت بين « إسرائيل» والإمارات حيث أجرتا مبادلات تجارية بأكثر من نصف مليار دولار بالسنة الأولى من تطبيع العلاقات/ حدث تبادل ثقافي مع توافد السياح الاسرائيليين على الإمارات تم الغاء قوانين المقاطعة مباشرة. فعام 1951 أسست جامعة الدول العربية مكتب مقاطعة « إسرائيل» الذي افتتح فروعًا له في كل الدول العربية مصر ووضعت قانونه اعام 1955 والتزمت به كل أعضاء الجامعة. لكنها سرعان ما بدأت تنقطع بعد اعلان الاتفاقات الاستسلامية
والملفت أن ترامب غداة بدء أول محادثة بين لبنان و«إسرائيل» ممثلين بسفيريهما لدى واشنطن،تحضيرا للتفاوض بين البلدين، قال إنه سيعمل على إلغاء القانون اللبناني المتعلق بـ«مقاطعة إسرائيل».
أبرز ما قاله ترامب أنه لم يكن على علم مطلقا بوجود هذا القانون قبل ذلك، وأنه استغرب وجود قانون يجرم التعامل أو التواصل مع إسرائيل، بالجنون واعدا بالعمل على إنهائه.
الخطاب والسردية
للإبراهيمية خطاب مدروس ومشغول بدقة. يجمع بين الديني والسياسي ويتبنى عنوان السلام. هدف هذا الخطاب توفير شرعية «لإسرائيل» لقبولها ودمجها في المنطقة.
مفردات الابراهيمية طابعها دينيّ ومشبعة بدلالات عاطفية مثل الإيمان المشترك والبيت الإبراهيمي وأبناء إبراهيم. كما يفرط من استخدام مفردات السلام والازدهار والتسامح والمستقبل التعايش العدالة الازدهار والرفاهية، والتفاهم، والتسامح الديني. والخطير هو وقع المفردات وتأثيرها على الوعي والوجدان. ويجيد ااستخدام الرّموز الإبراهيميّة لتبرير التّحالفات الجديدة في الشّرق الأوسط.
أما الترويج لسردية مقولات ان السلام يوقف الضم (فكتب سفير الإمارات في الولايات المتحدة يوسف العتيبة «التطبيع أو الضم»)، وأن السلام يجلب الرخاء والتنمية.وتقديمها إلى الرأي العام العربي والإسلامي على الركيزة الخطابية الأولى تتعلق بتأكيد الأطراف عزمهم على إيجاد سلام دائم وعادلوشامل في الشرق الأوسط الهدف من تأكيد هذه المسألة وربطها بالاتفاقيات هو توفير شرعية لقبولها والتعامل معها على أنها حققت مكسباً للقضية الفلسطينية.إذ تُعاد صياغة القضية على أنها خلاف داخلي في العائلة، لا قضية تحرّر من احتلال واستعمار.
وفي السردية أن هذه الاتفاقيات تتبنّى بشكل أو بآخر الرواية الاسرائيلية وهي تحميل الشعب الفلسطيني وقيادته مسؤولية التعثر في التوصل إلى الحل، واعتبارهما معوّقَين للسلام، لأن الخطاب الذي رافق هذه الاتفاقيات والتطبيع الملازم لها أضفى نوعاً من الملائكية على اسرائيل باعتبارها الساعية دوماً للسلام والتي تمد يدها إلى العالم العربي، بينما أضفى على الفلسطينيين نوعاً من «الشيطنة» والأبلسة باعتبارهم مَن يرفضون اليد الممدودة إلى السلام، ويضعون العصي في دولابه.
تأسست في تلك المرحلة مؤسسات عديدة مثل «مركز التّفاهم الإبراهيمي» في واشنطن و«منتدى القيم المشتركة» في الإمارات التي قدمت الإبراهيميّة كجسرٍ للتواصل بين المسلمين واليهود والمسيحيين.
عبر لغة الروابط الدينية المشتركة، جرى تمرير شراكات دفاع صاروخي وتعاون استخباراتي، وشبكات مراقبة إقليمية كما مسارات تسليح عالية التكنولوجيا. وبذلك تحوّلت الإبراهيمية إلى «رافعة ناعمة» تحجب خلفها مشروع نفوذ أميركي–إسرائيلي يطمح لإدارة المشهد الإقليمي بأدوات جديدة أقرب إلى تحالف سياسي عسكري، منه إلى عملية تطبيع تقليدية كل هذه الاتفاقات كانت بمقابل وعود أمريكية
وفقًا لأقوال المحلل العسكري بصحيفة «هآرتس» عاموس هرئيل، فإن الغاية من اتفاقيات إبراهيم والتطبيع مع دول عربية وإسلامية أخرى هي تشكيل حلف استراتيجي معاضد للولايات المتحدة في المنطقة، وذلك لمجابهة الطموحات الشيعية الإيرانية، خلال برامج تعديل الأنظمة التعليمية وإعادة كتابة التاريخ، ويؤسس لإقامة قاعدة إقليمية للمصالح الاقتصادية المشتركة تحت النفوذ الإسرائيلي ، وترويج المشروعات الإقليمية الإسرائيلية التي تربط دول المنطقة بالعالم من خلال « اسرائيل» لوجستيا وتكنولوجيا وثقافيا مثل مشروع الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا عن طريق البحر المتوسط.
حرب غزة العام 2023 مثّلت اختبارًا حقيقيًا لخطاب الإبراهيميّة، إذ فشلت الدّول الموقعة في ترجمة قيم «الّرحمة الإبراهيميّة» إلى موقفٍ أخلاقي تجاه المأساة.
ومقولات «إعادة صياغة» الشرق الأوسط، أو «تغييره» أو «توسيعه»، هي جميعها إسرائيلية المصدر، وتعني في الواقع تدمير دوله ومجتمعاته. أثر الإبراهيميّة في تشكيل وعيٍ جديد للهُويّة العربيّة والإسلاميّة يُقدَّم على أنّه فعلٌ إيماني نابع من قيم السّلام الإبراهيمي، وهو ما يعكس تحولًا نوعيًا في لغة العلاقات الدّوليّة في الشّرق الأوسط. تحليل الخطاب أنّ اللغة هنا ليست بريئة، بل تُستخدم كأداة لإنتاج القبول السياسي عبر الإيحاء الأخلاقي. في جعل الاعتراض على الاتفاقيّات يبدو وكأنّه اعتراض على قيمٍ إنسانيّة لا على سياساتٍ دوليّة.
غابت عن «اتفاقيات أبراهام جميع قرارات الأمم المتحدة التي تتعلق بالقضية الفلسطينية» (الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو عن مجلس الأمن، بالانسحاب وعدم مشروعية المستعمرات والاحتلال وإدانة العنف الذي تمارسه «اسرائيل» والإجراءات التي تنفذها في القدس الشرقية. كما غابت عن هذه الاتفاقيات وملاحقها أي بند يشير من قريب أو بعيد إلى تعليق أو وقف لمسألة الضم.
حرصت «اتفاقيات أبراهام» على «استذكار صفقة القرن، وأن لترامب الفضل في التوصل إلى هذه الاتفاقيات يضع صفقة القرن كما لو كانت »الأب الروحي« لهذه الاتفاقيات، والحفل الذي أقيم في 28 كانون الثاني/يناير 2020، حين قدم ترامب رؤيته إلى السلام. أيضا استذكار معاهدات السلام بين «اسرائيل» وكل من جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية وإظهار أن دولة الإمارات ومملكة البحرين لم تأتيا بجديد، أو بمحظور يؤخذ عليهما، وإنما سارا في الطريق ذاته الذي سار فيه هذه البلدان العربية.
أما مبدأ السلام في مقابل الاقتصاد وهو يمثل حجر الزاوية في الرؤية الإسرائيلية للسوق الشرق الأوسطية التي تتمثل في ثلاثية رأس المال العربي والنفط العربي/ الأيدي العاملة العربية/ والتكنولوجيا الاسرائيلية. وهذا المبدأ يحرر الكيان من الالتزام بالانسحاب من الأراضي العربية.
خلاصة :
لا يمكن قراءة الاتفاقات الابراهيمية خارج اطار مشاريع التطبيع بين «إسرائيل» والدول العربية وخارج سياقها التاريخي.
في 28 فبراير 2026 اندلعت حرب مفتوحة بين الولايات المتحدة و«اسرائيل» من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت بمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في غارة جوية وكان القرار تغيير النظام في ايران وتدمير قدراتها العسكرية.
في النظام الجديد يقف لبنان والجمهورية العربية السورية على قوب قوسين من توقيع اتفاق ابراهيمي اولا بعد تغيير النظام في الشام جاهزة ووصول سلطة في لبنان مهيأة لهذا الدور نتيجة التأثير الأميركي عليها .
الاتفاقات الابراهيمية نموذج يحفظ حق إسرائيل في الحياة والوجود والهيمنة.
وحده المشروع الإيراني بأذرعه كان ما زال عائقا امام اكتمال المشروع الأميركي -الإسرائيلي. فكان لا بد من ازاحته باي ثمن.
في النظام الجديد ستكمل إسرائيل سيطرتها على المنطقة نفطها غازها وممراتها وماءها واقتصادها وأمنها، وسيكون هذا محميا باتفاقيات مكتوبة مقيدة لأصحابها، سيتم تصفية المقاومات، وحركات المقاطعة والاحزاب المعادية لإسرائيل، وسيعاد كتابة التاريخ ومراقبة الصحافة ودور النشر ومحطات الاعلام، كل ذلك سيكون بقوانين تسن لهذا الغرض. ولن يكون هناك جيوش قومية أبدا. وعليه فالعصر الابراهيمي هو عصر انتصار اليهود وتحقيق هيمنتهم.

