من المقهى إلى المستشفى.. تفاصيل عملية «الويمبي» التي هزّت بيروت

موقع «التلفزيون العربي» يلتقي القيادية في القومي كوكب معلوف للكلام عن علوان

محمد الجنّون

في 24 سبتمبر/ أيلول 1982، كان الجيش الإسرائيلي موجودًا في بيروت، بعد أشهر من اجتياح لبنان وحصار العاصمة، حين دوّى إطلاق نار في شارع الحمرا، أحد أكثر شوارع المدينة ازدحامًا.

قرب مقهى «الويمبي»، فتح خالد علوان، العضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي، النار على عسكريين إسرائيليين، في حادثة ستتحول لاحقًا إلى واحدة من أشهر العمليات المرتبطة بمقاومة الاحتلال داخل العاصمة.

تقرير لوكالة UPI نُشر في اليوم نفسه تحدث عن ثلاثة عسكريين إسرائيليين كانوا يجلسون في مطعم في شارع الحمرا، قُتل أحدهم وأصيب الآخران. كما يوثق السجل الإسرائيلي الرسمي مقتل الرقيب شراغا كاتس في بيروت في 24 سبتمبر 1982.

أما ما سبق إطلاق النار وما جرى بعده، فتتعدد بشأنه الروايات والتفاصيل. وفي محاولة لفكّ ألغاز هذه الروايات، التقى موقع «التلفزيون العربي» القيادية في الحزب السوري القومي الاجتماعي كوكب معلوف، للعودة إلى شخصية علوان ورواية الحزب عن عملية «الويمبي» وما أعقبها.

خالد علوان.. الهادئ صاحب «العقل الأمني»

كان خالد علوان معروفًا بين رفاقه في الحزب السوري القومي الاجتماعي بهدوئه وحماسته لمواجهة الجيش الإسرائيلي الذي دخل العاصمة اللبنانية بيروت واحتلّها في سبتمبر 1982، عقب أشهر من الحصار والقصف وخروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من العاصمة.

تقول معلوف إن أول ما كان يميز علوان هو أنه كان «هادئًا جدًا»، وتضيف أنه كان معروفًا بـ «ثباته وبرودة أعصابه». وهي صفة ميزته في طريقة تصرفه خلال عملية «الويمبي».

كان الاسم الحركي لعلوان «ميشال»، وفق معلوف. ولد عام 1962 في بيروت، في زاروب الكعكاتي بين قصقص وحرش بيروت، وكان والده عثمان يملك مطعمًا باسم «مونتانا»، فيما تنحدر والدته خديجة رجب من بلدة حلبا في عكار. وكان يمارس الرياضة باستمرار، ما منحه بنية جسدية قوية .

بدأ ارتباطه بالحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1978، عندما كان طالبًا في ثانوية المقاصد في الحرش، ثم تدرج في مسؤولياته داخل مديرية وطى المصيطبة التابعة لمنفذية بيروت.

تصفه معلوف بأنه كان صاحب «عقل أمني»، وتقول إنه امتلك خبرة في إدارة المواقع والتشكيلات العسكرية، وكان من الداعين إلى تنفيذ عمليات ضد القوات الإسرائيلية في بيروت. وتشير إلى مشاركته في تحركات وعمليات في مناطق بينها كورنيش المزرعة والمصيطبة.

عملية «الويمبي».. هل كانت وليدة اللحظة؟

تقول معلوف إن عملية «الويمبي» لم تكن، بحسب المعلومات التي لديها، عملية مخططة مسبقًا بتفاصيلها، بل «وليدة لحظتها»، وإن قرار التنفيذ اتخذه علوان عندما وجد العسكريين الإسرائيليين أمام المقهى.

تضع معلوف ذلك في سياق أوسع. فبعد دخول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت الغربية، بدأت المداهمات تطال أماكن مختلفة كان يُعتقد أن قادة في الحزب السوري القومي الاجتماعي يقيمون فيها، من بينهم داوود باز وطوني روكز الذي اختطف مع رفقاء له ما زالوا مفقودين الى الان.

في ذلك الوقت، اتخذ الحزب إجراءات قضت بتوزيع عناصره على خلايا متفرقة في مناطق عدة من بيروت، مع التشديد على أن تعمل بسرية تامة.

تقول معلوف إن من بين المعتقدات الراسخة في فكر الحزب عقيدته القائمة على الدفاع عن الأرض في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتضيف:

«من هذه القاعدة انطلق خالد علوان ورفاقه في مواجهاتهم مع الجيش الإسرائيلي، وكانت عملياتهم مركزة وتهدف إلى إيلام الجنود الإسرائيليين والحد من حرية حركتهم وتنقلاتهم».

العقيدة التي آمن بها خالد علوان تقول معلوف تدفعه حكما الى مواجهة أي عسكري إسرائيلي يصادفه إذا أتيحت له الفرصة. وترجح أن يكون قد راقب تحركات القوات الإسرائيلية في الحمرا قبل يوم العملية. ويبدو أن علوان أراد تنفيذها في اللحظة نفسها، مستفيدًا من عنصر المفاجأة«.

(هذه الجزئية تحديدًا تختلف حولها الروايات المنشورة. فبعضها يقدم العملية بوصفها قرارًا فرديًا لحظة مشاهدة العسكريين، فيما تتحدث روايات أخرى عن رفاق كانوا قريبين من علوان أو ساعدوه قبل إطلاق النار. لذلك يبقى الأدق نسب تفاصيل التخطيط إلى أصحاب كل رواية، لا التعامل معها بوصفها حقيقة محسومة).

«الحساب علينا»… ماذا جرى أمام المقهى؟

تروي معلوف أن علوان كان في شارع الحمرا عندما وصل إلى محيط مقهى «الويمبي»، حيث كان عسكريون إسرائيليون يجلسون على رصيف  المقهى.

تختلف المصادر في بعض تفاصيل المشهد وعدد الموجودين لحظة الهجوم، إلا أن تقريرًا نشرته وكالة UPI يوم 24 سبتمبر، ورواية صحيفة «السفير» في اليوم التالي كما أعيد نشرها لاحقًا، يتفقان على أن إطلاق النار استهدف ثلاثة عسكريين، فقتل أحدهم وأصاب اثنين.

أما حكاية دفع الحساب بالشيكل، فتظهر في الروايات اللبنانية المتداولة عن العملية. وتقول معلوف إن جدالًا حصل بين العسكريين وعامل في المقهى بشأن العملة التي ستُدفع بها الفاتورة، قبل أن يقترب علوان.

تنسب الرواية المتداولة إليه عندها العبارة التي التصقت بالعملية لاحقًا:

«ولو.. الحساب علينا».

أطلق علوان النار ثم غادر المكان مستفيدًا من الفوضى التي أعقبت إطلاق النار وازدحام شارع الحمرا.

وتبرز رواية أخرى متداولة تفيد بأن علوان التقى مسؤولين في «القومي» داخل أحد مقاهي الحمرا قبيل تنفيذ العملية، إلا أن معلوف تصف هذه الرواية بأنها «غير صحيحة وبعيدة عن الواقع». وتقول في المقابل إنه من الممكن أن يكون علوان قد التقى قبل العملية عناصر عاديين من الحزب كانوا يعملون في متجر لـ «البينغو» في البيكادلي بالحمرا.

مستشفى الجامعة الأميركية.. المحطة التالية

بحسب رواية معلوف، اتجه علوان عقب العملية نزولًا نحو مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، وكان لا يزال يحمل المسدس الذي استخدمه.

تقول إن أحد أصدقائه كان يخضع للعلاج هناك بعد عملية جراحية، فدخل علوان غرفته ومكث فيها بهدوء. وتضيف أنه أخفى المسدس تحت فراش سرير المريض وبقي داخل المستشفى حتى اليوم التالي، قبل أن يغادر إلى مكان آخر.

ترجح معلوف أن اختيار المستشفى كان مقصودًا لإبعاد الأنظار عنه وعدم العودة مباشرة إلى المكان الذي جاء منه، خصوصًا بعدما بدأت القوات الإسرائيلية عمليات بحث لمعرفة هوية منفذ الهجوم.

أما مصدر السلاح، فلا تقدم الروايات المتاحة جوابًا واحدًا بشأنه.

تكشف معلوف في حديثها إلى موقع «التلفزيون العربي» أن علوان حصل على المسدس من أحد مسؤولي الحزب السوري القومي الاجتماعي، ويرجح أنه العميد محمد سليم. وتشير إلى أن البنادق والعبوات التي كانت بحوزة عناصر الحزب والمخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية كانت موزعة في أماكن سرية، فيما اعتمدت العمليات التي نُفذت في بيروت آنذاك بصورة أساسية على الكمائن وحرب العصابات.

وترد في المقابل رواية أخرى بشأن مصدر السلاح المستخدم في عملية «الويمبي»، تفيد بأن علوان حصل عليه من الأمين العام السابق للحزب عبد الله سعادة. قصد علوان منزل سعادة قبل العملية وطلب منه مسدسًا لاستخدامه في مواجهة القوات الإسرائيلية، فلبّى طلبه. وجاء ذلك بعد أيام من إصدار قيادة الحزب، في 18 سبتمبر، بيانًا أعلنت فيه مواجهة إسرائيل ودعت إلى «مقاومة الاحتلال والوحدة الوطنية».

أربعة أيام بين «الويمبي» والانسحاب من بيروت

 بعد أربعة أيام من عملية «الويمبي»، انسحب الجيش الإسرائيلي في 28 سبتمبر من آخر مواقعه داخل بيروت، ثم استكمل في اليوم التالي سحب قواته من مطار بيروت والقطاع الشرقي للعاصمة، بالتزامن مع انتشار القوات متعددة الجنسيات، وهو ما توثّقه تقارير صحفية أميركية معاصرة.

وتربط معلوف انسحاب القوات الإسرائيلية بتصاعد العمليات المسلحة التي استهدفتها داخل العاصمة، معتبرة أن «انسحاب إسرائيل من بيروت تحت ضربات وعمليات الفصائل الوطنية اللبنانية مثّل انتصارًا كبيرًا، خصوصًا أن القوات الإسرائيلية لم تعد قادرة على البقاء في ظل استمرار العمليات التي كانت تستهدفها».

زيارة إلى «الويمبي».. ماذا قال شاهد العملية؟

تكشف معلوف، في حديثها إلى موقع «التلفزيون العربي»، أنها زارت مقهى «الويمبي» عام 1985، بعد ثلاث سنوات على العملية، والتقت هناك بالنادل «حكمت»، الذي تقول إنه كان شاهدًا عليها وكان لا يزال يعمل في المكان نفسه.

وبحسب معلوف، أكد لها النادل أن علوان كان بمفرده لحظة تنفيذ العملية، وأنه اقترب من الجنود الإسرائيليين بصورة مفاجئة وأطلق النار عليهم أمام المقهى، من دون أن يشاركه شخص آخر في الهجوم. وتقول معلوف إن الشاهد (النادل )أخبرها أيضًا بأن أسلحة العسكريين بقيت في المكان بعد إصابتهم، قبل أن تصل قوة إسرائيلية وتطوق المنطقة.

وترى معلوف أن هذه الشهادة تدعم رواية تنفيذ علوان العملية بمفرده، من دون مشاركة أشخاص آخرين معه لحظة الهجوم.

اغتيال خالد علوان.. اختطاف أنهى حياته

واصل علوان نشاطه العسكري بعد عملية «الويمبي» واستمرّ بتنفيذ العمليات العسكرية في مختلف المناطق، بحسب معلوف ومصادر الحزب السوري القومي الاجتماعي. لكنّ الاغتيال كان ينتظرهُ من خلال عملية اختطاف أنهت حياته.

في 5 سبتمبر/ أيلول 1984، قُتل مع محمود التقي وكمال صالح، المعروف أيضًا باسم «كفاح أبو راشد»، في منطقة الجبل. وتذكر روايات حزبية أنهم كانوا عائدين من مهمة عسكرية عندما وقعوا في كمين.

تؤكد معلوف ذلك، مضيفة: «اختُطف الثلاثة عند حاجز أقامته جهة حزبية لبنانية في قضاء عالية بجبل لبنان، ثم قُتل علوان ورفيقاه في سبتمبر/ أيلول 1984». وعُثر عليهم لاحقًا داخل سيارة من نوع «فيات» كانت تقلهم. (3)

بقي اسم علوان بعد ذلك مرتبطًا بعملية «الويمبي»، وتحولت الواقعة نفسها إلى جزء من الذاكرة السياسية لشارع الحمرا ومرحلة الاحتلال الإسرائيلي لبيروت.

عملية بقيت أكبر من دقائق تنفيذها

لم تستغرق عملية «الويمبي» سوى دقائق، إلا أنها وقعت في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ بيروت: بعد الاجتياح والحصار، ودخول القوات الإسرائيلية إلى بيروت الغربية، وبعد أيام قليلة من مجزرة صبرا وشاتيلا.

لا يزال لعملية «الويمبي» رمزيتها، فهي تُعَدّ واحدة من أبرز الهجمات التي نُفذت في قلب العاصمة، فيما تجاوز أثرها حدود المواجهة نفسها لتترسخ في ذاكرة بيروت وتاريخ تلك المرحلة.

المراجع

* مقابلة خاصة مع كوكب معلوف، القيادية في الحزب السوري القومي الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *