لبنان تحت الهيمنة الأميركية: الاستعمار متواصلٌ

كريم حداد

الاستعمار قادر على البقاء بعد رحيل جيوشه، لأن سلطته تتجاوز احتلال الأرض إلى تنظيم الاقتصاد والمعرفة وتحديد ما يستطيع الناس تخيّله لأنفسهم. وقد تحتفظ الدولة بعلمها ودستورها ومؤسساتها، بينما تضيق قدرتها على اختيار سياساتها تحت ضغط التمويل والعقوبات والاعتماد الأمني. يتيح هذا المنظور قراءة الهيمنة الأميركية في لبنان باعتبارها علاقة تعيد إنتاج بعض وظائف الاستعمار، من دون تطابقها مع الانتداب الفرنسي أو اختزال التاريخ اللبناني كلّه في إرادة خارجية واحدة.

تقدّم العالمة الأميركية في الأنثروبولوجيا، آن لورا ستولر، في كتابيها «المعرفة الجسدية والسلطة الإمبراطورية» و«على امتداد نسيج الأرشيف»، أدوات لفهم هذه الاستمرارية. يبحث الأول في صناعة الحدود العرقية داخل الأسرة والتربية والعلاقات الحميمة، ويتناول الثاني إنتاج المعرفة الإدارية التي تنظّم الحكم الاستعماري. وتطبيق أفكارهما على لبنان اجتهاد تحليلي يستند إلى آليات عرضتهما، وليس استنتاجًا تنسبه المؤلّفة إلى الحالة اللبنانية. فالسؤال الذي يجمع العملين هو كيف تصبح الهيمنة ممارسة يومية تتداخل فيها المصالح، والتصنيفات والمخاوف والعادات.

تُظهِر دراسة الحياة الحميمة أن الاستعمار احتاج إلى صناعة جماعات متفاوتة الحقوق والاعتبار. فالهوية الأوروبية لم تكن حقيقة بيولوجية مكتفية بذاتها؛ كانت تُراقَب عبر اللغة والسلوك والمنزل وتربية الأطفال. وقد أقلقت العلاقات المختلطة السلطات لأنها أربكت الفصل بين الحاكم والمحكوم. هكذا تكشف التفاصيل الخاصة عمل السلطة في إنتاج الانتماء، وتبيّن أن الهيمنة تستقر عندما تتحوّل الفوارق السياسية إلى معايير اجتماعية تبدو طبيعية، ويصبح امتياز جماعة دليلًا مزعومًا على استحقاقها.

يساعد ذلك على تفحّص الطريقة التي تُبنى بها مراتب الشرعية في لبنان. فالمشكلة تبدأ عندما يُقاس الاعتدال السياسي بمدى القبول الأميركي، وتُختزل السيادة في قرارات تحظى برضى واشنطن، بينما تُعامل الاعتراضات على سياساتها كعلامات انغلاق أو خروج عن العالم. هذه آلية خطابية ينبغي اختبارها في المواقف والوثائق، لكنها تكشف خطر تحويل الانحياز الجيوسياسي إلى معيار للأهلية الوطنية. عندئذٍ يصبح الخارج مرجعًا يوزّع شهادات العقلانية على اللبنانيين، بدل أن يكون طرفًا له مصالح قابلة للنقد.

يكشف الكتاب الثاني أن الأرشيف الاستعماري كان مؤسسة تنتج موضوعاتها، وتحدّد الشهادات الجديرة بالتصديق، وتصوغ المخاطر التي تستدعي التدخل. ولم تكن الإدارة تعرف مجتمعها معرفة كاملة؛ حملت وثائقها ارتباكًا وتناقضًا وقلقًا. لذلك يفيد هذا المنهج في قراءة البيانات الأميركية عن لبنان: ما المشكلة التي تعرّفها؟ ما الأسباب التي تستبعدها؟ وكيف تتحوّل تسمية سياسية إلى إجراء مالي أو أمني؟ فاللغة تكتسب قوة مادية عندما تتصل بمؤسسات تستطيع المنع والتمويل والعقاب.

يفرض الاستعمار آليات تقيس الاعتدال السياسي بمدى القبول الأميركي، وتُختزل السيادة بما يحظى برضى واشنطن، بينما يجري اعتبار أي اعتراض على سياساتها كعلامة انغلاق أو خروج عن العالم

تقدّم العقوبات مثالًا ملموسًا. ففي آب 2019 فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على «جمّال ترست بنك»، متهمةً إياه بتسهيل أنشطة مالية لحزب الله، وأعلنت إمكان تعرّض أطراف تتعامل مع الجهات المشمولة لإجراءات أو عقوبات إضافية. وبصرف النظر عن تقييم الاتهامات، تكشف الواقعة قدرة مؤسسة أميركية على فرض كلفة على العلاقات المالية خارج حدود الولايات المتحدة. ومن منظور الهيمنة، يصبح الوصول إلى النظام المالي العالمي مشروطًا بتصنيفات تصدرها قوة أجنبية، ولا يصنعها المجتمع اللبناني عبر مؤسساته.

تتعمّق هذه القدرة عندما يكون الاقتصاد شديد الحاجة إلى العملات الأجنبية والتمويل الخارجي. عندها يتجاوز أثر الضغط الجهات المُستهدفة مباشرة، لأن المؤسسات والأفراد قد يعيدون تنظيم علاقاتهم تجنّبًا للمخاطر. لكن تفسير التبعية يقتضي أيضًا مُساءلة الاختيارات المحلية التي تجعل المجتمع مكشوفًا أمامها. فالسلطة الخارجية تجد أدواتها داخل بنية اقتصادية وسياسية قائمة، ويصبح وصف كل أزمة بأنها مؤامرة وسيلة لإعفاء المسؤولين اللبنانيين من المحاسبة، بدل كشف تداخل مسؤوليتهم مع نفوذ الخارج.

تحضر العلاقة الأمنية ضمن المنطق نفسه. فقد وصفت الخارجية الأميركية الولايات المتحدة بأنها الشريك الأمني الأساسي للبنان، وذكرت في بيان عام 2022 تقديم أكثر من مليارين ونصف مليار دولار من المساعدات الأمنية الثنائية للجيش منذ عام 2006. وربطت تدريب الجيش وتجهيزه بعوائد مهمة للمصالح الأميركية في لبنان والمنطقة. يوضح هذا التصريح أن المساعدة تؤدّي وظيفة استراتيجية للمانح أيضًا، ويجعل استقلال القرار الدفاعي وتنويع مصادر التجهيز موضوعين أساسيين عند تقييم العلاقة.

تتحدّد المشكلة السياسية عندما تمنح الحاجة إلى الدعم طرفًا خارجيًّا قدرة مستمرة على التأثير في الأولويات الوطنية. فالمساعدة قد تلبّي حاجة فعلية، لكن فائدتها لا تلغي سؤال الشروط والبدائل وحدود الاعتماد. الدولة القادرة على اتخاذ قرار مستقل تحتاج إلى مؤسسات تقيّم التعاون وفق مصالح المجتمع، وإلى نقاش علني حول الكلفة التي يدفعها البلد مقابل استمراره. أمّا تقديم العلاقة باعتبارها إحسانًا خالصًا فيحجب تفاوت القوة، ويحوّل المُساءلة إلى جحود مزعوم بحق المانح.

تصل الهيمنة إلى الحياة الخاصة عبر هذه العلاقات. الأسرة التي تربط مستقبل أبنائها بالهجرة، والعامل الذي يخشى انقطاع مورد خارجي، والمؤسسة التي تضبط قراراتها وفق احتمال فقدان التمويل، يعيشون السياسة الدولية في تفاصيل يومهم. واستلهام تحليل الحياة الحميمة هنا يعني تتبّع الصلة بين القرارات الكبرى ومشاعر الأمان والخوف والتطلعات الفردية. فالتبعية تكتسب رسوخها عندما تبدو الخيارات المُتاحة ضيقة إلى درجة يصبح معها التكيّف مع القوة الخارجية شرطًا واقعيًّا للاستمرار.

تنبّهنا قراءة الأرشيف أيضًا إلى أن الهيمنة غير مُكتملة. فتكرار التصنيف والضغط ومحاولات ضبط المجال السياسي يدل كلُّ ذلك على وجود اعتراضات لا تستطيع السلطة احتواءها بسهولة. ولذلك ينبغي تجنّب تصوير الولايات المتحدة كقوة تعرف كل شيء وتقرّر كل شيء؛ فهذا التصوير يمنحها انتصارًا معرفيًّا، ويطمس قدرة اللبنانيين على الفعل. المطلوب دراسة الأدوات والوسطاء والمصالح المُتبادلة، وتحديد المواضع التي تتحوّل فيها الشراكة إلى تبعية، والمواضع التي يمكن فيها توسيع الاستقلال.

نشر في صحيفة «الاخبار »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *