نحو استعادة عقل الحزب وتجديد مشروع النهضة: قراءة في أسئلة الرفيق إبراهيم مهنا على منصة « سرجيل» والإجابة عنها

د.نبيلة غصن

قرأت مقال الرفيق إبراهيم مهنا «أسئلة مؤجّلة أم محرّمة؟  على منصة «سرجيل» في البحث عن عقل الحزب؟»، وأرى أن أهميته لا تكمن فقط في الأسئلة التي طرحها، بل في محاولته نقل النقاش من حدود الأزمة التنظيمية الراهنة، من سجالات دستورية واصطفافات داخلية، إلى المستوى الذي ينبغي أن يدور فيه النقاش منذ زمن: مستوى الأزمة التاريخية التي تعيشها الحركة القومية الاجتماعية، وأسباب تعثّرها في تحويل عقيدتها إلى قوة تغيير قادرة على التأثير في واقع الأمة ومصيرها.

لكنني أعتقد أن الأسئلة التي طرحها مهنا، على أهميتها، تقودنا إلى سؤال أكثر جذرية: كيف استطاع حزب يحمل عقيدة نهضوية شاملة، ويستند إلى فكر أنطون سعاده، أن يصل مراراً إلى أزمات تهدد وحدته وفاعليته، من دون أن تتحول هذه الأزمات إلى محطات مراجعة وتغيير حقيقيين؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي ألا نخشى الإجابة عنه، حتى لو قادتنا الإجابة إلى مراجعة مسلّمات اعتدنا التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.

أولاً: هل الأزمة أزمة عقل أم أزمة في بنية العمل الحزبي؟

يضع مهنا سؤال «عقل الحزب» في قلب الأزمة، وهو سؤال بالغ الأهمية. لكن العقل ليس كياناً غامضاً نبحث عن مكان وجوده، ولا هيئة فكرية يمكن إنشاؤها بمجرد إصدار قرار تنظيمي. عقل الحزب هو قدرته المؤسسية على فهم الواقع، وإنتاج المعرفة، وتحديد الأولويات، واتخاذ القرارات، ومراجعة النتائج، وتصحيح الأخطاء.

إنه العقل الذي يصل الفكر بالفعل، والعقيدة بالواقع، والهدف بالوسيلة، والقرار بالمسؤولية.

لذلك، لا يكفي أن نسأل: أين عقل الحزب؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: ما الشروط التنظيمية والسياسية والثقافية التي تسمح لهذا العقل بأن يعمل، وأن ينتقد، وأن يختلف، وأن يؤثر في القرار؟

فالعقل المؤسسي لا ينمو في بيئة تخشى الأسئلة، ولا ينتج حلولاً مبتكرة إذا كان المطلوب منه دائماً تبرير القرارات القائمة.

ثانياً: من يحمي المؤسسة عندما تصبح المؤسسة عاجزة عن حماية القضية؟

إن المؤسسات ضرورية لاستمرار أي حركة سياسية وفكرية، لكنها ليست غاية في ذاتها. قيمتها تُقاس بمدى قدرتها على خدمة القضية التي نشأت من أجلها، وتطوير أدوات العمل لتحقيق أهدافها.

وحين تتحول المحافظة على المؤسسة إلى مبرر لتجنب النقد، تصبح القضية في خدمة المؤسسة، بدلاً من أن تكون المؤسسة في خدمة القضية.

المطلوب هو الجمع بين شرعية النظام وفاعلية المؤسسة، وبين الانضباط وحرية التفكير، وبين وحدة العمل وحق المراجعة.

المؤسسة القوية ليست تلك التي تمنع الاختلاف، بل تلك التي تستطيع إدارة الاختلاف من دون أن تتفكك، وتحويل النقد إلى معرفة، والمعرفة إلى إصلاح.

ثالثاً: المشكلة ليست في تعدد الآراء وحده، بل في غياب المنهج الذي يحكم الاختلاف

يشير مهنا إلى التباينات في تفسير مفاهيم أساسية، من الديمقراطية التعبيرية إلى المدَرَحية، ومن النظام الاقتصادي إلى طبيعة المشروع القومي وموقف الحزب من قضايا المقاومة والتحولات السياسية.

وهذه مسألة لا يمكن الاستهانة بها. فحين تتعدد التفسيرات من دون مرجعية علمية واضحة، قد تتحول العقيدة الواحدة إلى مجموعة من القراءات التي لا يجمع بينها سوى الانتساب إلى اسم الحزب.

لكن الحل لا يكون بفرض إجابات جاهزة على جميع المسائل، ولا بإلغاء الاجتهاد الفكري، بل بالتمييز بين ثلاثة مستويات:

أولاً، المبادئ الأساسية التي تشكّل هوية العقيدة ومرجعيتها.

ثانياً، المفاهيم والنظريات التي تحتاج إلى دراسة علمية وتفسير منضبط، مع توضيح ما هو ثابت فيها وما يقبل التطوير والاجتهاد.

ثالثاً، السياسات والخيارات العملية التي ينبغي أن تتغير وفقاً للظروف والوقائع، من دون أن تفقد اتصالها بالأهداف الاستراتيجية.

وهنا تبرز ضرورة إنشاء مؤسسات بحثية وفكرية متخصصة، تضم الكفاءات القادرة على دراسة تراث سعاده دراسة علمية، ومراجعة التجربة الحزبية، وإنتاج معاجم مفاهيم وأبحاث موثقة، وإتاحة نتائجها للنقاش داخل الحزب وخارجه.

فالوفاء لفكر سعاده لا يكون بتجميد التفكير عند حدود ما كُتب، بل بفهم منهجه في النظر إلى الإنسان والمجتمع والتاريخ

رابعاً: من المسؤول عن ضياع التضحيات؟

من أهم النقاط التي أثارها المقال سؤاله عن المنجزات، وعن مصير ما بذله القوميون من جهد ومال وتضحيات.

لقد قدّم كثير من القوميين، عبر أجيال متعاقبة، ما استطاعوا تقديمه من وقت ومال وجهد، بل دفع بعضهم أثماناً باهظة من حياتهم واستقرارهم ومستقبلهم. ولا يجوز التعامل مع هذه التضحيات بخفة، أو تحميل أصحابها مسؤولية نتائج لم تكن جميع أدوات إنتاجها تحت سيطرتهم.

وهنا ينبغي أن تكون المراجعة مؤسسية لا انتقامية، موضوعية لا شخصية، وأن تميّز بين الأخطاء في التقدير، والقصور في الإدارة، والقرارات التي لم تحقق أهدافها، وأي ممارسات تستوجب مساءلة فعلية.

ليس الوفاء لتضحيات القوميين أن نمنع السؤال عن نتائجها؛ الوفاء الحقيقي هو أن نجعل تلك التضحيات أساساً لبناء تجربة أكثر كفاءة وقدرة على الإنجاز.

خامساً: أزمة القيادة أعمق من تبديل الأشخاص

يطرح مهنا سؤال أهلية القيادات، وهو سؤال مشروع، لكنه يحتاج إلى توسيع. فالأزمة لا تُحل بمجرد استبدال قيادة بأخرى إذا بقيت آليات إنتاج القيادة ومحاسبتها وتقييم أدائها على حالها.

القيادة التي تحمل قضية نهضوية تحتاج إلى معرفة سياسية واجتماعية واقتصادية، وإلى قدرة على التحليل الاستراتيجي، وإلى كفاءة تنظيمية وإدارية، وإلى نزاهة أخلاقية وشجاعة في اتخاذ القرار والاعتراف بالخطأ.

لكنها تحتاج أيضاً إلى مؤسسات تحدّ من التفرد، وتضمن استمرارية العمل، وتتيح تداول المسؤوليات وفق قواعد واضحة، وتربط الصلاحيات بالمساءلة.

وإذا كان استشهاد سعاده قد كشف حجم التحدي الذي واجهته القيادات اللاحقة في حمل مشروعه، فإن الدرس الأهم ليس استحالة حمل القضية بعد المؤسس، بل ضرورة بناء مؤسسات وكفاءات قادرة على استيعاب الفكر وتطوير أدوات تحقيقه.

سادساً: العودة إلى سعاده ليست عودة إلى الماضي

 العودة إلى سعاده ضرورة فكرية ونهضوية، لكنها برأيي تحتاج إلى تعريف دقيق.

هي ليست ستحضار أقواله في كل مناسبة، أو أن نجعل اسمه مرجعاً لفظياً لحسم الخلافات، أو أن نختار من تراثه ما يبرر موقفاً اتخذناه سلفاً.

العودة الحقيقية هي العودة إلى المنهج وهذا يقتضي دراسة نقدية لتجربة الحزب بعد سعاده، لا بهدف إدانة الماضي أو التنكر لتضحيات رجاله ونسائه، بل لفهم أسباب التعثر، والتمييز بين ما كان ضرورة فرضتها ظروف تاريخية معينة، وما تحول لاحقاً إلى عائق أمام التطور.

إن احترام المؤسس لا يتعارض مع نقد التجربة التي جاءت بعده. بل إن النقد المسؤول قد يكون أحد أشكال الوفاء

سابعاً: أي مشروع نهضوي نريد؟

هنا النقطة المركزية في النقاش كله: المشروع.

إن الحزب لا يستطيع أن يستعيد فاعليته بمجرد إعادة ترتيب مؤسساته أو تسوية خلافاته الداخلية، مهما كانت هذه الخطوات ضرورية. فالوحدة التنظيمية التي لا تستند إلى مشروع واضح قد تؤجل الانقسام، لكنها لا تمنع تكرار أسبابه.

المشروع النهضوي المطلوب ينبغي أن يجيب بوضوح عن أسئلة أساسية:

ما التغيير الذي يريد الحزب تحقيقه في المجتمع؟ ما الأولويات التي تستدعيها الظروف الراهنة؟ كيف يواجه الطائفية والتفكك الاجتماعي وتراجع الثقة بالمؤسسات؟ ما رؤيته للاقتصاد والعدالة الاجتماعية، والتعليم، والثقافة، والسيادة؟ كيف يتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية؟ وما الأدوات الواقعية التي يمتلكها، أو يستطيع بناءها، للتأثير في هذه الملفات؟

ليس المشروع بياناً سياسياً عاماً، ولا قائمة أمنيات، ولا تكراراً للأهداف النهائية للعقيدة. إنه تصور مترابط للانتقال من الواقع القائم إلى واقع أفضل

وعلى الحزب أن يحدد أيضاً علاقته بالمجتمع: كيف يصل إلى الشباب؟ كيف يستعيد ثقة الفئات التي ابتعدت عنه؟ كيف يحول حضوره الفكري إلى تأثير ثقافي وسياسي واجتماعي؟

ثامناً: من تشخيص الأزمة إلى برنامج عمل

إن المؤتمرات الفكرية الثلاثة التي اقترحها مهنا يمكن أن تشكل بداية مفيدة، شرط ألا تتحول إلى مناسبات خطابية جديدة تنتهي بانفضاض المشاركين من دون آليات تنفيذ ومتابعة ونجاحها يتطلب مجموعة من الضمانات:

  1. استقلالية البحث والتشخيص
  2. تمثيل الكفاءات: أصحاب الخبرة الفكرية والعلمية والسياسية والتنظيمية، بمن فيهم القوميون الذين ابتعدوا عن العمل المؤسسي،
  3. حرية النقاش المسؤول
  4. مخرجات محددة: أنتهاء كل مؤتمر إلى وثائق وتوصيات ومشروعات قابلة للتنفيذ والإنجاز.
  5. المراجعة والمساءلة
  6. بناء جسر بين الفكر والممارسة.

خاتمة: لا نهضة بلا نقد، ولا نقد بلا مسؤولية

إن مقال إبراهيم مهنا يضع أمام الحزب مرآة تستحق التوقف أمامها. لكن مواجهة المرآة لا تعني الاكتفاء بتعداد العيوب.

إن وحدة الحزب ضرورة، لكنها ليست وحدة الأسماء والصفوف فقط؛ إنها وحدة الرؤية والاتجاه والغاية

وإذا كانت الأزمة الراهنة قد أعادت طرح سؤال عن عقل الحزب، فالحزب لا يستعيد عقله بمجرد أن يتفق أعضاؤه على ضرورة استعادته، بل عندما تصبح المراجعة جزءاً من ثقافته، والمساءلة جزءاً من نظامه، والمعرفة أساساً لقراره، والإنجاز معياراً لتقييم أدائه.إن أخطر ما يمكن أن يحدث للحركة النهضوية ليس أن تختلف، بل أن تفقد القدرة على التعلم من اختلافها؛

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *