د. ميلاد سبعلي
يمكن للمدرسة أن تُدخل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى صفوفها، فتتحسن الواجبات وتتسارع كتابة التقارير، لكنها قد تكتشف في المقابل أن بعض الطلاب أصبحوا أقل صبرًا على قراءة النصوص الطويلة، وأقل قدرة على تفسير حلولهم والدفاع عن آرائهم. فالنتيجة التي تظهر على الشاشة لا تكشف وحدها ما تعلّمه الطالب فعلًا. لذلك، ينبغي أن تبدأ سياسة استخدام الذكاء الاصطناعي في المدرسة من فهم نمو الطفل، وتحديد دور التكنولوجيا في كل مرحلة عمرية.
في مقاله «توقّفوا عن تحويل التلاميذ إلى دمى لاختبار التصادم»، المنشور في مجلة The Economist في 9 أيلول 2026، يحذّر أندرياس شلايشر (Andreas Schleicher)، مدير التعليم والمهارات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، استنادًا إلى نتائج اختبار «بيزا» (PISA)، من تراجع القراءة والقدرة على تقييم المعلومات والربط بين المصادر. فقد انخفض أداء القراءة بين عامَي 2018 و2025 في ثلاثة أرباع البلدان المشاركة، وتراجع متوسط دول المنظمة 25 نقطة، بما يعادل أكثر من سنة دراسية. كما أظهرت بيانات PISA 2025 ارتباطًا بين استخدام روبوتات المحادثة في بعض المهمات، مثل تلخيص النصوص والبحث الأولي وصياغة المسودات، وبين نتائج أدنى في المتوسط، مع اختلاف النتائج بحسب كثافة الاستخدام وطبيعته. ولا تثبت هذه الارتباطات أن الذكاء الاصطناعي سبّب التراجع، إذ ظهرت مؤشرات ضعف القراءة قبل انتشاره الواسع، بالتزامن مع الاستخدام المفرط للمحتوى السريع على منصات التواصل الاجتماعي. لكنها تؤكد ضرورة التمييز بين استخدام يدعم الجهد المعرفي وآخر يختصره.
ويتصل هذا التحذير بقلق أوسع بشأن الأطفال. فقد نبّه بيل غيتس (Bill Gates)، في مقابلة مع جريدة Avvenire الإيطالية في 25 أيلول 2026، إلى أن الأنظمة الذكية قد تساعد الطفل على التواصل، لكنها قد تدفعه أيضًا إلى الاكتفاء بعلاقة معها في العزلة، لا تواجهه ولا تخالفه، داعيًا إلى قواعد وضمانات لا تُترك للشركات وحدها. كذلك شدّد البابا لاوون الرابع عشر، في خطابه أمام الأكاديمية البابوية للعلوم في 24 أيلول 2026، على أن التكنولوجيا تعبّر عن تصور للإنسان والمجتمع والمستقبل، وأن اتساع القدرة التقنية يستوجب مسؤولية أكبر عن كرامة الإنسان.
وعليه، لا ينبغي أن يكون معيار استخدام الذكاء الاصطناعي في المدرسة مقدار ما ينجزه الطالب بواسطته، بل مقدار الاستقلالية المعرفية التي يكتسبها: القدرة على الفهم والسؤال والتحقق والحكم والإنتاج، بحيث لا تتجاوز جودة ما ينتجه بالأداة مستوى فهمه وقدراته المستقلة.
السنوات الأولى: بناء الطفل قبل تدريبه على الأداة
لا ينبغي، في تقديري، أن يستخدم الطفل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بصورة مستقلة في السنوات الابتدائية الأولى. ويمكن، ابتداءً من الصفوف العليا للمرحلة الابتدائية، إدخال استخدامات محدودة وموجّهة بإشراف المعلم، ثم توسيع الاستخدام المستقل تدريجيًا مع بداية المراهقة ونمو القدرة على التحقق والحكم. وهذا تدرّج تربوي مقترح، لا افتراض بأن جميع الأطفال يبلغون الاستعداد نفسه في عمر محدد.
لا يعني ذلك إبعاد الأطفال عن التكنولوجيا أو تأجيل تنمية التفكير، بل إعطاء الأولوية للمهارات التي يتأسس عليها نموهم: القراءة والفهم والكتابة والتعبير والملاحظة والمقارنة والاستدلال، إلى جانب المعرفة العامة والمهارات الرياضية الأساسية. ويحتاج الطفل كذلك إلى اللعب والحركة والرياضة والأنشطة اليدوية، والموسيقى والفنون والقصص، والتعرّف إلى لغته وثقافته ومجتمعه وثقافات الآخرين. كما يحتاج إلى الحوار والتعاون مع أقرانه، وتعلّم الانتظار والاختلاف وإصلاح الخطأ والمثابرة عندما لا تأتي الإجابة سريعًا.
ويبدأ التفكير العالي بالتطور في هذه المرحلة من خلال مقارنة القصص، وتفسير نتائج التجارب، واقتراح طرق متعددة لبناء نموذج أو حل مشكلة. وتتطور بالتوازي مهارات المبادرة وتنظيم الذات والتعاطف والتعاون والبحث والتحقق والتعلّم من الخطأ. أما المعرفة الرقمية، فتُبنى تدريجيًا عبر التعامل الواعي مع المحتوى والشاشات، وحماية الخصوصية، وفهم المبادئ المبسطة لعمل الأدوات الرقمية والذكية وحدودها.
يمكن للمعلم استخدام الذكاء الاصطناعي في التخطيط للدروس، وإعداد أنشطة فنية وحركية، وتكييف المواد بحسب مستويات الطلاب، واختيار محتوى تفاعلي، وملاحظة أنماط التعثر، من دون وضع الأداة مباشرة بين أيدي الأطفال. ويبقى عليه مراجعة المخرجات والتحقق من ملاءمتها، وتجنّب إدخال بيانات الأطفال الشخصية في أدوات غير مأمونة. فالتكنولوجيا قد تعزز قدرة المعلم على التحضير والمتابعة، لكن خبرته في فهم الطفل وملاحظة تقدمه تظل أساس القرار التربوي.
من الصف الخامس إلى المرحلة المتوسطة: تعلّم استخدام الأداة وفحصها
ابتداءً من الصف الخامس، يمكن إدخال استخدام مباشر ومحدود للأدوات الذكية تحت إشراف المعلم. يكتب الطالب تفسيره أولًا ثم يقارنه باقتراح الأداة، أو يقرأ نصًا بنفسه قبل فحص ملخص مولّد والبحث عمّا أغفله، أو يحاول اكتشاف الخطأ في حل يبدو مقنعًا. ويتعلم التصريح بكيفية استخدام الأداة، والتمييز بين ما فهمه وما تلقّاه جاهزًا، من دون أن يصبح اللجوء إليها استجابة تلقائية لكل صعوبة.
وفي المرحلة المتوسطة، يمكن توسيع الاستخدام وإدماجه في مشاريع متعددة الاختصاصات تنطلق من أسئلة واقعية في المدرسة أو المجتمع. فقد يجمع الطلاب بيانات عن استهلاك المياه، ويحللونها بالرياضيات، ويفسرونها بالعلوم، ويعرضون نتائجهم باللغة، ثم يقارنون استنتاجاتهم بما تقترحه الأداة. ويمكنهم أيضًا مقارنة المصادر والحجج، واختبار التفسيرات على ضوء النصوص والتجارب، وتصوّر حلول لمشكلات معقدة. لكن عليهم تحديد معايير المفاضلة بين الحلول، وكشف افتراضاتها، والدفاع عن اختياراتهم بأدلة وبناء آراء مستقلة. وبهذا ينمو استخدام الأدوات بالتوازي مع التفكير النقدي والإبداعي والعمل الجماعي وفهم الواقع.
المرحلة الثانوية: من استيعاب المعرفة إلى إنتاج معرفة ورأي أصيلين
ينبغي أن ينتقل الطالب في المرحلة الثانوية من فحص المعرفة المتاحة إلى المساهمة في إنتاج معرفة ورأي أصيلين. فيصوغ سؤالًا بحثيًا نابعًا من مشكلة حقيقية، ويقرأ ما كُتب عنها، ويجمع بيانات أو يجري تجربة أو مقابلات، ثم يحلل النتائج ويناقش حدودها. ويمكنه بناء نموذج أولي واختباره، أو صياغة موقف شخصي يستند إلى الأدلة ويظل قابلًا للمراجعة. ولا تتطلب أصالة العمل اكتشاف حقيقة لم يعرفها العالم من قبل؛ فقد تتمثل في سؤال دقيق عن البيئة المحلية، أو بيانات جمعها الطالب بنفسه، أو تفسير يستطيع الدفاع عنه.
يمكن للطالب الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في البحث والمقارنة وتحليل البيانات وتنظيم العمل، أو في تشغيل أدوات تحليل وأتمتة تنفذ مهمات محددة ضمن ضوابط واضحة. لكن صياغة السؤال واختيار المنهج وفهم النتائج والحكم على قيمتها وآثارها تبقى مسؤوليات يتعلم تحمّلها بإرشاد معلميه. وفي البحث العلمي، لا تُعامل إجابة النموذج الذكي بوصفها مصدرًا مرجعيًا، بل نقطة انطلاق للوصول إلى المصادر الأصلية والتحقق منها. وينبغي أيضًا أن يوثّق الطالب طريقة استخدام الأداة، وما قبله أو رفضه من اقتراحاتها، وحدود مساهمته الفكرية الخاصة.
ويتطلب هذا التدرج تغييرًا في التقويم؛ فقد يبدو المشروع النهائي ممتازًا بينما يعجز الطالب عن شرح كيفية إنجازه. لذلك ينبغي متابعة السؤال الأول والمحاولة المستقلة والمصادر والمسودات والتعديلات، ثم مناقشة الطالب وتكليفه بتطبيق ما تعلّمه في وضع جديد. ويمكن الجمع بين مهمات مستقلة وأخرى يستخدم فيها الأداة للمقارنة والتحسين، على أن تكشف مهمة مستقلة لاحقة ما أصبح قادرًا على إنجازه. فمعيار النجاح هو نمو قدرته، إلى جانب جودة المنتج النهائي.
ولا تتحقق هذه الرؤية بشراء منصة أو فرض حظر عام، بل بقواعد تراعي العمر والمهمة، وتدريب مستمر للمعلمين، وحماية الخصوصية، وضمان عدالة الوصول ومراعاة اختلاف احتياجات الطلاب، وتجارب محددة تُقاس نتائجها قبل توسيع استخدامها. وفي هذا السياق، تذكّرنا دعوة أكثر من ستين باحثًا واقتصاديًا أوروبيًا، في منتدى السياسات المنشور بمجلة Science في 24 أيلول 2026 بعنوان «Enhancing Europe’s Competitiveness by Empowering Researchers as Innovators»، بأهمية دعم البحث الأساسي والابتكار عالي المخاطر، وبناء مسار متصل من الاكتشاف إلى التطبيق بدل الاكتفاء بتبنّي التقنيات الجاهزة. ويمكن نقل هذا المبدأ إلى المدرسة مع مراعاة اختلاف السياق: فالتطوير ينبغي أن يقوم على التجريب والتقييم والتحسين، لا على إعلان استخدام التقنية قبل معرفة نتائجها.
في مقالات سابقة، تناولتُ خطر إنتاج نصوص أسرع مما يستطيع الإنسان فهمها، وخطر اختصار الأعمال التي يكتسب الأفراد الخبرة من خلالها. وتظهر المسألتان بوضوح في المدرسة: فإذا استعجلنا تسليم الطفل أداة تفكر وتكتب عنه، فقد نختصر مرحلة ضرورية لبناء قدراته؛ أما إذا أحسنّا التدرّج، فقد توسّع الأداة ما يستطيع السؤال عنه والبحث فيه وإنتاجه. تبدأ المهمة التربوية بحماية نمو الطفل في القراءة والكتابة والحركة والثقافة والعلاقات، ثم تمتد إلى تدريب المراهق على البحث والحكم والإضافة. وعندئذ يدخل الذكاء الاصطناعي المدرسة في الوقت والطريقة اللذين يخدمان تعلّم الطالب، ويفتح له مجالًا أوسع للمشاركة في إنتاج المعرفة بدل الاكتفاء باستهلاك إجاباتها.


