في دمشق الجولاني: «صلاح الدين» وكل ما يرمز لتحرير القدس ممنوع

سومر الفيصل

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً بحادثة تبدو عادية وروتينية إذا ما تم النظر إليها من جهة التصريحات الرسمية للحكومة المؤقتة، حيث تم مفاجأة الشعب السوري بنقل تمثال «صلاح الدين الأيوبي» سلطان الشام ومصر والمشهور تاريخياً بمحرر القدس وقائد معركة حطين التاريخية.

حيث ذكرت مصادر رسمية أن هذا الاجراء هو اجراء طبيعي لأجل أعمال الترميم وتنظيم محيط قلعة دمشق فيما لم يتم ذكر أين سيكون الموقع التالي للتمثال مع وجود تكهنات باحتمال نقله إلى استراد العدوي في مبنى البانوراما الذي يعتبر رمزاً لحرب تشرين التحريرية ضد العدو الصهيوني والتي أعاد فيها الجيش السوري محافظة القنيطرة وزرع عناصره العلم السوري على قمة جبل الشيخ في هزيمة هي الأولى للكيان منذ تأسيسه، ولكن ما جعل عملية النقل هذه تنال كل هذا الاهتمام مع وجود هذه التكهنات فهو العلاقة المريبة للحكومة الحالية وخضوعها التام للجانب الصهيوني وتنازلها الكامل عن حق الدفاع عن ما يقتطعه الكيان المحتل من الأراضي السورية يوماً بعد يوم وانتهاكاته اليومية للجنوب السوري وصولاً إلى جنوب العاصمة دمشق.

إن إزالة هذا التمثال بما له من رمزية مثلت للسوريين على مدى تاريخهم الطويل ثوابت وطنية وملاحم فخر،اعتزوا بها لقرون، قد مست بشكل جعلت الجميع يتساءل عن الأسباب  الحقيقية  لهذا الإجراء وفي هذا التوقيت، ورغم امتعاض الأغلبية لهذا الإجراء فقد تباينت الآراء حوله وحول أسبابه:

فقد رأى بعضهم أن السبب الأول والرئيسي هو ابعاد الفكر المقاوم وانهاء القضية الفلسطينية في ضمير الشعب السوري ومقاومة الكيان وإرضاء له وخاصة أن احتمالية نقله إلى البانوراما التي تحمل نفس الرمزية والتي تخلى عنها النظام الحالي واعتبرها مسرحية تاريخية من النظام السابق متجاهلاً تضحيات وبطولات الجيش السوري وتجريمه فيها وهذا ما يجعل البانوراما نفسها منفى للتمثال واعتباره بنفس منزلة حرب تشرين التحريرية لا قيمة له عندهم.

ومن جانب آخر رآى البعض أن نقل هذا التمثال هو لتغيير هوية دمشق وقلعتها التي ارتبط تاريخها باسم السلطان الأيوبي، فيما كان للأكراد السوريين أكبر نصيب من الاعتراضات على نقل هذا التمثال لما يمثله من تأصيل للوجود الكردي في النسيج الدمشقي منذ قرون طويلة خاصة أن السلطان صلاح الدين الأيوبي ينحدر من عائلة كردية حكمت سوريا وبلاد الشام عموماً ومصر فترة طويلة من الزمن  ولاكثر من قرن منذ تأسيس صلاح الدين لها عام 1171 وحتى سقوط آخر معاقلها في حماه عام 1341 على يد المماليك.

أما أقل الآراء هجوماً على هذا النقل فكانت أن عملية النقل هي لزيادة الإشغالات التجارية في محيط القلعة، أو للتغطية على الأزمات الاقتصادية والأمنية وإشغال الشارع السوري عن ما يحصل في الجنوب وما يعانيه من انقطاع في المواد النفطية في عدة محافظات حيث وصل سعر ليتر الديزل في السوق السوداء إلى 20.000 ليرة سورية ما أدى إلى توقف العديد من سيارات النقل وارتفاع جنوني للأسعار بسبب رفع سعر النقل تزامناً مع تخطي سعر صرف الدولار لعتبة 14.000 ليرة سورية في إشارة إلى فساد إداري ومالي واضح دون التعمق في مآرب تمس الحالة الوطنية والرمزية التاريخية والقومية.

ان تعدد الآراء حول هذا الامر لا يلغي الفرضيات لأي منها، فلا أحد يستطيع انكار التعاون بين الجولاني وحكومة الكيان خلال سنوات الحرب وتلقيه الدعم من الكيان على مدار السنوات، ولا أحد أيضاً ينكر تزلف الجولاني للكيان ودعمه لاعادة استملاك اليهود لمواقع داخل دمشق بعد سقوط النظام السابق، ومنعه الاحتفال بكل ما يرمز للتحرر من الاحتلال حتى تلك التي لا تخص النظام السابق مثل عيد الشهداء في 6 أيار الذي يرمز لمقاومة الاحتلال التركي والذين اعتبرهم المنهاج التربوي للجولاني خونة.

بالرغم من إطلاق صفة المؤقت من كل الكون على سلطة الجولاني وحكومته إلا أنهم يعملون وبكل قوتهم وبكل جهد مستميد على تدمير كل ما بقي من ثوابت وطنية ترتبط بالمقاومة والتحرر من الاحتلال وترسيخ التبعية والخضوع تحت مسمى الديبلوماسية تجاه الكيان أو الرابطة الدينية تجاه تركيا التي لا تختلف في أطماعها عن الكيان شمالاً وفي الساحل غرباً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *