جائزة نوبل للآداب الانتظار الطويل والخيبة الآّمرّ!

أنطون يزبك

في كل سنة وقبيل صدور نتائج جائزة نوبل للآداب، تشخص العيون وترهف الأسماع بانتظار إعلان اسم الفائز أو الفائزة، ويبدأ بصيص من نور الأمل بالبزوغ كي تكون الجائزة، من نصيب المفكّر الكبير والشاعر أدونيس (علي احمد سعيد أسبر) ولكن لا تلبث وأن تحلّ الخيبة حين تصدر النتائج ويستبعد أدونيس من الفوز، سنة بعد أخرى.

أدونيس إبن ال 96 عاماً، هو الأكاديمي المتمرّس الذي طوى فوق عمره أعماراً مثمرة، قضاها في معترك الكتابة ودراسة الشعر والأدب واللغة العربية، مُراكمًا إلى جانب عمله الأكاديمي والأدبي؛ أهرامات من الدواوين الشعرية والدراسات العلميّة فكان خيرَ مبدعٍ وأكثر علامة مضيئة في الأدب العربي الحديث، حيث لعب دور المجدد وحامل لواء الحداثة الشعرية كما نفهمها الآن في دوائر الشعر والأدب.

 أما لقبه أدونيس والذي تحوّل إلى اسم راسخ وأيقونة من نضارة وأمجاد، فقد اتّخذه تيمّنا بأسطورة أدونيس وعشتروت، مما شكّل عنوانا بارزا ومشرّفا في ثقافة أمتنا التي لم تبخل على العالم بعطاءاتها؛ نتاجا فكريا، وعلميا، وأدبيا، وشعريا. وعليه، إذا أردنا ان نتحدّث عن ادونيس، نحتاج إلى مجلّدات ومصنّفات بعدد كتبه ودواوينه الشعريّة، بيد أنها لا تفيه حقّه، وهو الذي أعطى العالم العربي والعالم بأسره.

والشعر الحديث تحديدا، نظرة جديدة وتحديثا دقيقا لمنهج الشعر العربي، موظّفا اللغة العربية على نحوٍ فيه قدرٌ كبير من الإبداع والتجريب وقد سما على الاستخدامات التقليدية للغة الشعرية دون أن يتخلّى عن بلاغة اللغة العربية وجمالية الفصحى، التي تميّز هذه اللغة عن سائر لغات العالم!

 ما أقوله ليس مديحا عابرا ومجّانيا لأدونيس، فهو لا يحتاج إلى شهادة من أحد، ولكن في غمرة التساؤلات عن دور الثقافة العالمية وتعاملها مع الثقافة العربية تحديدا لا نجد مندوحة من أن نطرح السؤال التالي:

 ما هو موقع الثقافة العربية وأعلامها في العالم؟

 وتاليا نسأل أيضا: لماذا يُعاقب كل عبقري عربي؟ حيث لا يحار أحدٌ جوابا، بحيث تستمر عملية التهميش و[التطفيش] ونفي الوجود المتميّز للمفكرين العرب من الساحة الثقافية العالمية!

 هل هي سياسة العقاب في جائزة يدّعي القيّمون عليها الشفافية، والحياد والموضوعية؟

   في السياق عينه، نالت الجائزة هذه السنة 2026 شاعرة أيضا وهي الكندية ” آن كارسون ” الكاتبة والشاعرة الأكاديمية العريقة، التي تدرّس اللغة اليونانية القديمة في عدة جامعات. كتبت عددا من الدواوين الشعرية والروايات الملحميّة، تمجّد فيها اليونان القديمة، خاصة إلياذة هوميروس وساحات حرب طروادة.

من الملاحظ هذه السنة أن ثمّة توجّه واضح لاعتبارها سنة الإلياذة بامتياز إذا صح التعبير، بعد أن انشغل العالم بالفيلم الأسطوري حول هذه الملحمة للمخرج كريستوفر نولان وكتبت عنه مئات المقالات وعاد القرّاء بكثافة إلى مطالعة الإلياذة وما كتب عنها.

لن اقول إن الشاعرة الكندية آن كارسون هي شاعرة غير مستحقّة للجائزة، نحن لسنا في طور المفاضلة أو في مباراة لكرة القدم كما يحدث في المشهديّة العالمية لكلّ حدث عالمي، أكان حدثا أديبا أو رياضيا أم سياسيا، لن ندع الأدب يتحوّل إلى سجال تلفزيوني أو إعلامي، بل هو أهم من ذلك بكثير، ولكن هناك حقّ وحقوق مشروعة في حياة الشعوب والأمم، والمؤلم هو استبعاد أعلام ومفكّرين من أمّتنا

وخاصة استبعاد شخصية باهرة مثل أدونيس بالذات، المفكّر الذي رفع اللغة العربية من عتمة دهاليز الماضي وجدد فيها وجعلها في متناول الجميع على الرغم من صعوبة مفرداتها وقواعدها، نجح أدونيس في ملحمته الخاصة (أغاني مهيار الدمشقي) وغيرها من المؤلفات في فتح الباب واسعا أمام ثورة التجديد والحداثة، مجترحا معجزة المحافظة على اللغة العربية بفخامتها وقدرتها العالية وفي الوقت عينه نقلها إلى العالم الأدبي الواسع والحديث مع دفعة ثقافية قوية لتثمر وتستمر لسنوات وقرون إلى الأمام.

قد لا يهتمّ أدونيس للجوائز وقد حصد العديد منها في حياته، ولكن ما يتمّ التعتيم عليه في دوائر الجوائز الأدبية والثقافية العالمية هو أمر مشين وواضح للعيان.

أن نطلب الاعتراف بعبقرية أدونيس أو عشرات غيره من المفكرين والأدباء، قضيّة محقّة إلى جانب كل القضايا في أمتنا. أولياء الجوائز الأدبية منحازون وهذا أمر لا يخفى على أحد، يتقصّدون عدم منح المبدع المشرقي حقّه! وأولياء الأمة صامتون لا علم لديهم بوجود أعلام في بلادهم يستحقون النضال من أجل تحقيق العدالة ومن أجل إنصافهم حفاظا على ماء الوجه كما يقال!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *